أنت هنا:الكلمة الشهرية»من مفاسد الفتنة

من مفاسد الفتنة

  • محرم 1440 ـ سبتمبر 2018
  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 1394 مرة

 

 

إنَّنا في زمانٍ عصيبِ، فِتنُه مُدلهمَّة، مفاسدُها وخيمةٌ، ونتائجها سيِّئة، ومن شرِّها نتائجَ وأشدِّها وَبالًا على طلبة العلم والشَّباب المستقيمين فتنةُ الاختلافِ والتَّنازع، ولا يزال هذا واقعًا كونًا وقدرًا، وابتلاء من الله وامتحانًا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين[هود:119]، وقال ﷺ: «سألت ربِّي ثلاثًا فأعطاني ثِنتين ومنعني واحدةً... وسألتُه أن لا يجعلَ بأسَهم بينَهم، فمَنعَنيها»(1)، ومن البأس الفتن الَّتي تجري عليهم فيؤذي بعضهم بعضًا بالأقوال والأعمال(2).

فهذه الفتنة الصَّمَّاء العمياء تزلزل قلوب النَّاس وتلهيهم عن طلب العلم وتمنعهم من الرُّجوع إلى أهله، بل تجعلهم يتحاكمون إلى أهوائهم وينتصرون لحظوظ أنفسهم، ويتعصَّبون لرؤسائهم، ويتفرَّقون شِيَعًا وأحزابًا، ويغفلون عن عبادة ربِّهم، الَّتي هي من أعظم أسباب السَّلامة والنَّجاة، قال النَّبيُّ ﷺ: «العبادةُ في الفتْنةِ كالهِجرةِ إليَّ»(3).

ومن العبادة طلبُ العلم والتفقُّهُ في الدِّين والرُّجوعُ إلى العلماء الربَّانيِّين والاستمساك بغرزهم، والاستبصار بتوجيهاتهم، فهم النَّاصحون للعباد والأدلَّاءُ على سبيل الرَّشاد، والكاشفون للشُّبهة عند ورودها  والمزيِّفون للفتنة عند بروزها، قال الحسن البصري رحمه الله: «إِنَّ هَذِهِ الفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ عَرَفَهَا كُلُّ عَالِمٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَرَفَهَا كُلُّ جَاهِلٍ»(4)، وقال الآجُرِّيُّ رحمه الله في «أخلاق العلماء» (29): «فَمَا ظَنُّكُم ـ رحِمكم الله ـ بِطَرِيقٍ فِيهِ آفَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَيَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى سُلُوكِهِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِصْبَاحٌ وَإِلَّا تَحَيَّرُوا، فَقَيَّضَ الله لَهُم فِيه مَصَابِيحَ تُضِيءُ لَهُم، فَسَلَكُوهُ عَلَى السَّلَامَةِ وَالْعَافِيَة».

وإنَّ المتأمِّل في حال الأمَّة مع فتنة التَّنازع والاختلاف الَّتي حلَّت بالسَّلفيِّين في كثير من البلدان، يرى منهم صدودًا بيِّنًا عن طلب العلم بطرقه المعروفة، حتَّى صار شيخُهم الشَّبكةَ العنكبوتيَّة ووسائلَ التَّواصل، الَّتي سهَّلت عليهم الاطِّلاعَ على ما يطلبون من الفتاوى والاجتهادات، وتناقلَ الأخبار وتبادل المعلومات، فغرِقوا في ذلك إلى النُّخاع، ولم يحْصُلوا على ذراع ولا كُراع، وهم يظنُّون أنَّهم صاروا من الطَّلبة المبرِّزين وبلغوا درجةَ المحصِّلين المتقِنين.

لقد صُرف المفتونون عن علمائهم ومجالسهم العامرة بالعلم والسُّنَّة والبركة، لأنَّ نفوسهم مشغولة بالقيل والقال وكثرة السُّؤال وتتبُّع الجديد من الأخبار، وقلوبهم مشحونة بالعُجب والغرور والاعتداد بالنَّفس، ودخلوا في ردود عقيمة ومهاترات جنونيَّة وانتقادات لاذعة، أورثتهم الغلظة والفظاظة وسوء الخلُق، وعلَّمتهم الطَّعن والسِّباب والتَّراشُق، ولقَّنتهم الخصومة والمراء والجدال العقيم، وصدق رَسُولُ اللهِ ﷺ إذ قال: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَلَ، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون[الزُّخرُف:58]»(5).

فطرَقوا سبيلًا عمياء وخبطوا خبْطَ عشواء، فلم ينالوا فقهًا ولم يقتبسوا علمًا ولم يُحَصِّلوا أدبًا، وثقُل عليهم حفظُ القرآن العظيم وتعلُّم سنَّة النَّبيِّ الكريم ﷺ، وعسُر عليهم دراسة المتون العلميَّة وثنْيُ الرُّكَب في مجالس العلم المباركة، وقد تمر على أحدهم الشُّهور ولا يختم ختمة من القرآن، وتمضي عليه السِّنون ولا يدرس متنًا من المتون.

وجرَّأتهم هذه الفتنة وروَّادُها ومؤجِّجوها على انتقاص العلماء الكبار، وأزَّتهم على مناطحتهم وردّ أحكامهم وتخطئتهم بالجهل والهوى، ونفخت فيهم روح التَّعالم والتَّعالي، فتجد الشابَّ الغِرَّ الحديثَ عهدٍ باستقامةٍ أو إسلامٍ يُفتي في مسائلَ عظامٍ ويتكلَّم في نوازلَ جسامٍ، ويجرِّح ويعدِّل ويخطِّئ ويصوِّب، ويتطاول على أفاضلَ شابت لحاهم في العلم والتَّعليم والدَّعوة إلى التَّوحيد والسنَّة، وكانت لهم اليدُ الطُّولى في محاربة الشِّرك والانحراف والتَّمييع والبدعة.

فهذا الإمام ربيع بن هادي ـ حفظه الله ـ هان عند قوم شأنُه ونزل قدرُه، فلم يحفظوا حُرمته ولم يراعوا سابقته، ولم يشكروا معروفه، إذْ وصفوه بأوصاف شنيعة وطعنوا فيه بطعون ثقيلة: «كبِر فصار لا يضبط، يتكلَّم لحظِّ نفسه، يجرِّح دون تفسير، لا يقرأ ولا يطَّلع على حقائق الأمور، له بطانةٌ سيِّئةٌ تُملي عليه ما يقول، يؤيِّد المميِّعة وجماعة الاحتواء، حاد عن الأصل...»، ويُهَاجَم في بيته ويخاصَم في مجلسه ويُرفع الصَّوت في وجهه بكلِّ وقاحة وصَلَف، وهو صابر محتسب، ولا نقرأ إنكارًا من متبوعيهم ولا نسمع نصرة له منهم.

وهكذا يفعل الهوى بصاحبه، يُعميه عن الحقِّ ويصدُّه عن اتِّباعِه، ويمنعه من قبول قول العالم، ويجرئه على تخطئته، بل انتقاصِه والطَّعن فيه، فيَجني على نفسه ويذوقُ وبال أمره، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله[ص:26]، وعن أَنَسٍ قَالَ: قَال رَسُولُ الله ﷺ: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المرْءِ بِنَفْسِه»(6).

وعن سُلَيْمَان بن عَلِيٍّ الرَّبَعِيّ قَال: «لَمَّا كَانَتْ فِتْنَةُ ابْنِ الْأَشْعَث... انْطَلَقَ عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الغَافِرِ وَأَبُو الجَوْزَاءِ وَعَبْدُ الله بنُ غَالِبٍ فِي نَفَرٍ مِنْ نُظَرَائِهِم، فَدَخَلُوا عَلَى الحَسَن فَقَالُوا: يَا أَبَا سَعِيدٍ مَا تَقُولُ فِي قِتَالِ هَذَا الطَّاغِيَةِ، الَّذِي سَفَكَ الدَّمَ الحَرَامَ، وَأَخَذَ الْمَالَ الحَرَامَ، وَتَرَكَ الصَّلَاة...؟ فَقَالَ الحَسَنُ: أَرَى أَنْ لَا تُقَاتِلُوهُ؛ فَإِنَّهَا إِنْ تَكُن عُقُوبَةً مِنَ الله فَمَا أَنْتُمْ بِرَادِّي عُقُوبَةِ اللهِ بِأَسْيَافِكُم، وَإِنْ يَكُنْ بَلَاءً فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وهو خَيْرُ الحَاكِمِينَ، قَالَ: فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدَهُ يَقُولُونَ: نُطِيعُ هَذَا العِلْجَ، وَنَحْنُ قَوْمٌ عَرَبٌ، قَالَ: فَخَرَجُوا مع ابنِ الْأَشْعَثِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا»(7)، نصحهم الحسن رحمه الله بالصَّبر وترك الخروج والمقاتلة، لِمَا يترتَّب عليه من مفاسد وأضرار، لكنَّهم أبَوا إلَّا أن يخالفوه ويحتقروه، ويصفوه بالعِلْج، ومقصودُهم نبزُه واحتقارُه، وأنَّه ليس أهلًا أن يسمعَ له ولا خليقًا أن يقتدى به.

فانظر كيف أهلكهم اعتدادُهم بأنفسهم وإعجابُهم برأيهم وتطاولُهم على وارث الأنبياء، ثمَّ انظر كيف آل أمرُهم إلى العُنف والبغي والعُدوان والخروج وحمل السِّلاح وسفك الدِّماء، وأخيرًا الموت على ذلك.

إنَّ هذه الفتنة تمنع معرفةَ الحقِّ وتصوُّرَه، وتهيِّجُ النُّفوسَ وتُذهب العقولَ، وتُورث التهوُّر وطلب الرِّئاسة، وتسبِّبُ الغلُوَّ والتعصُّب والبغي والعدوان، تحت غطاء الذبِّ عن السنَّة وعلمائها، والغيرة على المنهج ومناضلة المبتدعين والمميِّعين.

أخرج أحمد (19492)، وابن ماجه (3959) واللَّفظ له عن أبي مُوسَى الأشعريّ رضي الله عنه قال حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَهَرْجًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا الهَرْجُ؟ قَالَ: «القَتْلُ، القَتْلُ... يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ» فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: يَا رَسُولَ الله، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ اليَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ»، وإذا نزعت عقول أَكثر أهل الزَّمَان ـ لشدَّة الفتن وغَلبة الهوى ـ لا يبقى إلَّا الهَباء، أي الحثالة الحقيرة من النَّاس الَّذين ليسوا بشيء، يقتل بعضُهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا ويبغي بعضُهم على بعض، قال ابن تيمية رحمه الله في «منهاج السنَّة» (4 /547): «فَإِنَّهَا ـ أي الفتنة ـ تَمْنَعُ مَعْرِفَةَ الحَقِّ أَوْ قَصْدَهُ أَو القُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ مَا يُلْبِسُ الحَقَّ بِالبَاطِلِ، حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِم، وَيَكُونُ فِيهَا مِنَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهواتِ مَا يَمْنَعُ قَصْدَ الحَقِّ وَإِرادَتَهُ، وَيَكُونُ فِيهَا مِنْ ظُهُورِ قُوَّةِ الشَّرِّ مَا يُضْعِفُ القُدْرَةَ عَلَى الْخَيْر».

ولقد جنت هذه الفتنةُ ـ عندنا في الجزائر وفي سائر البلدان ـ جِنايةً عظيمةً على العلمِ وأهله وطلبته، فابتلِينا بالفتورِ عن طلب العلم الشَّرعيّ، وتوقَّفت الكثيرُ من الأعمال العلميَّةِ والدَّعويَّة، كالدَّوراتِ والمحاضرات وتوزيعِ الرَّسائل والمطويَّات.

ووقع أناس في التَّعريض بكبار العلماء والطَّعن فيهم، واتِّهامهم بكونهم لا يعرفون الواقع ولا يقفون على الحقائق، وأنَّ لهم بطانةً سيِّئةً تؤثِّر عليهم وتلقِّنُهم ما يقولون، فآل الأمر إلى رَدِّ كلامِهم وإخفائِه وتحريفِه، والإعراضِ عن نصحهم المتضمِّنِ الدَّعوةَ إلى الإصلاح وجمعِ الكلمة على الحقِّ، وما نُقِم منهم إلَّا أنهم خالفوا توجُّهاتِهم ولم يوافقوا على طعوناتهم الَّتي ليس عليها دليل، والَّتي سبَّبت فُرقة لا مثيلَ لها في تاريخ الدَّعوة السَّلفيَّة المباركة، كما طعنوا في مشايخ وأئمَّة لهم سابقة ـ ولا يزالون ـ في العلم والدَّعوة والاستمساك بغرز أولئك الكبار، ورمَوهم ـ ظلمًا وعدوانًا ـ بالتَّمييع والانحراف، بسبب مخالفتهم لبعض الآراء الَّتي ليس عليها برهان، ونفَّروا عنهم الشَّباب، وصدُّوهم عن قراءةِ الرُّدود العلميَّة المبنيَّة على الأدلَّة والكاشفة للشُّبَه.

ولا يخفى على العقلاء أنَّ الرجوع إلى العلماء الكبار والصُّدور عن رأيهم ـ خاصَّة في النَّوازل والفتن ـ هو صِمامُ الأمان من التَّفرق وجميعِ الفتن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ[النساء:83]، يقول السِّعديُّ رحمه الله في «تفسيره» (190): «إنه إذا حصل بحثٌ في أمر من الأمور ينبغي أن يُولَّى مَن هو أهلٌ لذلك ويُجعلَ إلى أهله، ولا يُتقدَّم بين أيديهم، فإنَّه أقربُ إلى الصَّواب وأحرى للسَّلامة من الخطأ».

فلزومهم والرَّدُّ إليهم يُزيل اللَّبسَ ويرفعُ الإشكالَ ويُهدِّئ النُّفوسَ ويُطهرها القلوب مِن حُبِّ الشُّهرةِ والحِرصِ على الرِّئاسة، ويُهَيِّئها للصُّلح والاجتماع ولَمِّ الشَّمل، ويُذيب النِّزاعاتِ المؤسَّسةَ على الحظوظِ النَّفسيَّة والاعتباراتِ الذَّاتيَّة، ويَقضي على الأحكامِِ المبنيَّةِ على الهوى وسوءِ الظَّن والرجْم بالغيب.

قال النَّووي رحمه الله في «شرح مسلم» (2 /107): «ينبغي للعالِم والرَّجلِ العظيمِ المطاع وذي الشُّهرة أن يسكِّنَ النَّاسَ عند الفِتن، ويعِظُهم ويوضِّح لهم الدَّلائلَ»، هذا شأنُ العالِم الربّانيِّ.

ولنأخذ العبرة ممَّا وقع للخليفة الرَّاشد عمَرَ بْنِ الْخَطَّاب رضي الله عنه ومراجعته للنَّبيِّ ﷺ في شروط قريش فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فقال له: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ الله وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا»، فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، وذكر له مثل ذلك، فَقَال: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ الله وَلَنْ يُضَيِّعَهُ الله أَبَدًا»، قَال: فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بِالفَتْحِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوَ فَتْحٌ هُوَ قَال: «نَعَمْ» فَطَابَتْ نَفْسُهُ ورَجَع»(8).

فمن فقه هذه الواقعة قولُ الشَّاطبيِّ رحمه الله في «الموافقات» (1 /143): «فهَذَا مِنْ فَوَائِدِ الْملَازَمَة والانْقِيَادِ لِلعُلَمَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِم فِي موَاطِنِ الإِشْكَالِ؛ حَتَّى لَاحَ البُرْهَانُ لِلعِيَانِ... وإنَّما نزلت سورةُالْفَتْحِ بَعْدَ مَا خَالَطَهُمُ الحُزْنُ وَالكَآبَةُ، لِشِدَّةِ الإِشْكَالِ عَلَيْهِم وَالتِبَاسِ الأَمْرِ، وَلَكِنَّهُمْ سَلَّمُوا وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ فَزَالَ الإِشْكَالُ وَالالتِبَاسُ».

اللَّهمَّ إنَّا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأنت المستعانُ وعليك التُّكلانُ.

***

 



(1) رواه مسلم (2890).

(2) «النبوات» لابن تيمية (1 /414).

(3) رواه أحمد (20311).

(4) رواه ابن سعد في «الطبقات» (7 /166). 

(5) رواه أحمد (22164)، والتِّرمذي(3253).

(6] رواه البزَّار (7293)، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (355)، وانظر «الصَّحيحة» (1802).

(7) رواه ابن سعد في «الطبقات» (7 /167)، والدُّولابيُّ في «الكنى والأسماء» (3 /1035). 

(8)  رواه البخاريّ (4844)، ومسلم (1785).

 

منقول من مجلة الإصلاح «العدد 59»