أنت هنا:الكلمة الشهرية»القول السديد

القول السديد

  • ربيع الأول 1440 - نوفمبر 2018
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 603 مرة

 

إنَّ من أجلِّ المطالب تحقيق التَّقوى في السِّرِّ والعَلَن، والاقتصَاد في الكلام وتحرِّي القول السَّديد، امتثالا لقَول الله تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا[الأحزاب:70].

قال ابنُ تيميَّة رحمه الله ـ كما في «مجموع الفتاوى» (17/ 230) ـ: «إنَّ القَولَ السَّديدَ: هُو المطابق الموافقُ، فإنْ كانَ خبرًا كانَ صدقًا مطابقًا لمخْبره لا يزيدُ ولا ينقُص، وإن كانَ أمرًا كانَ أمرًا بالعَدل الَّذي لا يزيدُ ولا ينقُص».

فالقَول السَّديدُ هُو قولُ الحقِّ من غير خلطِه بباطل، وهُو قولُ العَدْل غير ممزوج بجَوْر، فهُو الكَلام المسدَّد كسَدَاد السَّهْمِ الَّذي أصابَ الغَرَضَ ولم يُخطِئه؛ ويشمل ذلكَ قراءةَ القُرآن والذِّكر، وتعلُّمَ العِلم ونشره، والأمرَ بالمعرُوف والنَّهيَ عن المنكر، ويشمل ـ أيضًا ـ جميع الأقوال النَّافعَة واجبةً أو مستحبَّةً كإفشاء السَّلامِ وردِّه، وتشميت العاطس، وكقوْلِك لأخيكَ الَّذي تُحبُّهُ: إنِّي أحِبُّكَ، وغيرها.

قال السِّعدي رحمه الله في «تفسيره»: «ومنَ القَول السَّديدِ: لينُ الكَلام ولطفُه في مخاطبَة الأنام، والقَولُ المتضَمِّن للنُّصْح والإشارَة بما هُو الأصلَحُ»، فليسَ مِن سَديد القَول الفظاظَة والغِلظة في الخطاب، ولا السِّبابُ والشَّتم والتَّعيير عند النُّصح والإرشادِ.

والعاقلُ يحرصُ على إصابة الحقِّ في أقواله، ويبذُلُ وُسعَه للوصُول إلى الصَّواب في مسائل العلم والعَمل، ومن أعظم الأمارات على مُوافقَة الصَّواب اتِّفاقُ كلامِكَ واتِّساقُه مع كَلام العُلماء وعدم مُجانبَتِه، ومنَ المقطوع به ـ أيضًا ـ أنَّ كلامَ السَّلَف وألفاظَهُم في مسائل الاعتقَاد هو القولُ السَّديد الَّذي يدُلُّ عليه النَّقل الصَّحيحُ، والعَقلُ الصَّريح، فلا يجوزُ العُدولُ عنه إلى غيره.  

فمَن رامَ النَّجاةَ لزمَ القَولَ السَّديدَ في جميع أحوالِه،في حال غَضبه وسخطِه، وفي حَال فرحه وسروره ورضاه؛ ففي الحديث الصَّحيح أنَّ من الثَّلاث المنجيَات: «كلِمَةَ الحقِّ في الغضَبِ والرِّضا»، وكانَ مِن دُعائه ﷺ: «وأسأَلُكَ كلمَةَ الحقِّ في الغضَبِ والرِّضا».   

وإنَّ منَ الآثار الحسَنَة المترتبَّة على لزوم التَّقوى وتحرِّي القَول السَّديد: إصلاحَ الأعمال في الدُّنيا، ومغفرَةَ الذُّنُوب في الآخرة؛ قال اللهُ جلَّ ذكرُه في تمَام الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

 فمَن أخلَّ بالتَّقوى والسَّدَاد في القَول ضاعَت عليْه هذه الآثار وفاتَتْه هذه الجَوائز الحسَان؛ ذلك لأنَّه بالقَول السَّيء غير السَّديد تفشُو الضَّلالةُ، وتنتَشرُ الغوايةُ، وتضيعُ الحقائقُ، ويحصُل الافتراق، فعَلى مَن لم يقْدِر على أن يقُولَ قولاً سديدًا، أن يصمُتَ ولا يخرُج من صُماته يكُن حليمًا رشيدًا؛ ولله درُّ مَن قَال:

تَكَلَّمْ وسَدِّدْ مَا اسْتَطَعْت فإِنَّمَا     كَـلامُـكَ حَـيٌّ والـسُّـكُــوتُ جَمَـــادُ

فإِنْ لَمْ تَجِدْ قَوْلا سَدِيدًا تَقُولُهُ     فَصَمْتُكَ عَنْ غَيْرِ السَّدَادِ سَدَادُ

 

منشور في مجلة الإصلاح «العدد 59»