أنت هنا:الكلمة الشهرية»أي وسطية يريدون؟

أي وسطية يريدون؟

  • ربيع الثاني 1440 - ديسمبر 2018
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1543 مرة

 

إنَّ الله تعالى أنزل على نبيِّه ﷺ شريعةً سمحَةً حنيفيَّةً، بعيدةً كلَّ البُعد عن أشكال التَّنطُّع والتَّشدُّد، دافعةً لكلِّ أنواع المشقَّة والحرَج، قَال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة:185]؛ فمَن تمسَّك بالشَّريعَة كمَا أراد الله تعالى ولم يُعارِض أحكامَها بالتَّرخُّصات الجافيَة، ولم يُعرِّضْها للتَّشدُّدات الغَاليَة فقَد أخذَ بالوسطيَّة الكاملَة، والصِّراط المستَقيم؛ وأُمنيةُ الشَّيطانِ أن يَميلَ بالخَلْق عن هذا الوسط إلى  طرفـَيه ليَجُرَّهم إلى الهاوية، لذا قالَ بعضُ السَّلَف: «ما أمَرَ اللهُ بأمر إلاَّ وللشَّيطان فيه نزغتَان: إمَّا إلى تفريط وتقصير، وإمَّا إلى مجاوزَة وغلوٍّ؛ ولا يُبالي بأيِّهما ظَفِر»

والَّذي يُمكنُه أن يميِّزَ مواطنَ الوسطيَّة والعَدل في جميع أحكام الشَّريعَة وشعَائرها هُم العُلماء الرَّاسخُون في العِلم، الواضعُون الأمورَ في موضعِها، فلا يُغلِّبون التَّيسير إلى حدِّ التَّفريط والتَّمييع، ولا يستَعملون التَّشديد إلى حدِّ الغلوِّ والتنطع، فهؤلاء هم المرجعُ في معرفة الوسطية وتحديدِها؛ وليسَ غيرُهُم كائنا مَن كانَ.

إنَّ جهاتٍ كثيرةً ـ ومنها بعض وسائل الإعلام ـ تعملُ على صَرف الوجوه إلى أشبَاه الدُّعاةِ وأنصاف المتعلِّمين وتحتَفي بهم، وتُروِّجُ لهم بديلا عن العُلمَاء؛ ليُقدِّمُوا للنَّاس صُورةً عن الوسطيَّة تستَجيبُ للأهواء والرَّغبات، وتتوافَقُ مع الأمزجَة والشَّهوات، يحكمُها الهوَى لا الشَّرع؛ وكأنَّهُم يبحثون عن شريعة مطَّاطة، كُلُّ شيءٍ فيها قابلٌ للتَّغيُّر والتَّبدُّل، ولا يريدونها شريعَةً محكَمَةً حاكمةً على العباد، تُقيِّد تصرُّفَاتِهم وتحُدُّ ميُولاتِهم وتضبطُ شهوَاتِهم، وإنَّ خطابًا كهذا يتَّفقُ في نهايتِه مع خطاب دُعاة تحييدِ الشَّريعَة من حياة النَّاس، وهُم بذلك ينقُلون متَّبعيهم من خطّ الوسطية والاعتدَال إلى طرف التَّقصير والإهمَال باسم الوسطيَّة.

فإذا كانَ الغلوُّ والتَّطرُّف داء يؤدِّي بصاحبه إلى استباحة الدِّماء والأموال والأعراض المعصومة؛ فكذلك التَّرخُّص المُفرط داءٌ قد يُؤدِّي بصاحبه إلى الاستهانة بالدِّين والتَّعدِّي على أحكامه واستحلال حُرماته؛ وكلاهُما طريقٌ مذمُوم، وسالكُهما شقيٌّ محروم؛ وطوق النَّجاة في لزوم غَرْز عُلماء أهلِ السُّنَّة الَّذين سلَّمَهُم اللهُ فوقَفوا وسَطًا بينَ غلوِّ الخوارج والمعتَزلة وتكفيرهم، وبينَ جفَاء المرجئة وتفريطِهم، وبينَ انحراف سائر الطَّوائف وبدَعِهِم؛ لتمسُّكهم بالوحي واستِسلامِهم له.

وبهذا يتَّضحُ أنَّ الوسطيَّة الصَّحيحةَ المطلوبةَ لا يُحقِّقُها إلاَّ مَن مشى خلفَ النَّبيِّ ﷺ واتَّبعَ سنَّتَه؛ وعملَ بالدِّين الَّذي عملَ به أهلُ القُرون الثَّلاثة المفَضَّلة، وهُو الإسلامُ في نسخَتِه الأصليَّة الحقيقيَّة؛ وإنَّ أيَّ تصوُّر للوسطيَّة خارجَ هذا الإطار فهو تطرُّفٌ وميلٌ عن طريق الحقِّ والصَّواب؛ وإلى الله المرجع والمآب.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 55»