أنت هنا:الكلمة الشهرية»التلون في الدين

التلون في الدين

  • رجب 1440 ـ مارس 2019
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1778 مرة

 

من أخطر ما يُصاب به المرءُ في هذه الحياة أن يجعل دينه عُرضَةً للتَّغيُّر والتَّلوُّن والانتقَال، قال صاحب «لسان العرب»: «فُلانٌ مُتلوِّنٌ: إذَا كانَ لا يَثبُت على خُلُقٍ واحدٍ»، فتجدُ أحدَهم يلزمُ المنهج القويم مدَّةً من عُمره، وقد يتدرَّج في مراتبه حتَّى يكون داعيةً من دعاته، فإذا به يتحوَّل إلى منهَج آخَر ومسلَك جديد غير الَّذي كانَ عليه، وهو أمرٌ فظيع، وعملٌ شنيعٌ، قال مالك رحمه الله: «الدَّاءُ العُضَالُ: التَّنقُّلُ في الدِّين»(1).

ذلك لأنَّ هذَا التَّنقُّل والتَّلوُّن يُخالفُ الثَّبات على الحقِّ، وهو أمارةٌ على ارتياب هذا المتلوِّن في دينه ومنهجه، لهذا كانَ السَّلَف كما قَال إبراهيم النَّخعي رحمه الله: «كانُوا يرونَ التَّلوُّنَ في الدِّينِ مِن شكِّ القُلوبِ في الله»، فـ«كانوا يكرهونَ التَّلوُّنَ في الدِّين» ـ كما قال هو أيضًا ـ، وذلك لأنَّ التَّلوُّن والتَّغيُّر يعني عدم الثَّبات والاستقرار وانتفاء الطُّمأنينَة، وهي أحوالٌ مناقضة أشدَّ المناقضَة لعَقيدة أهل السُّنَّة والجماعَة، ومنهَج السَّلَف الرَّشيد لما في جانبه منَ الدَّلائل العقليَّة والبَراهين النَّقليَّة الَّتي تجعَل المتمسِّك به متيقِّنًا بما هو عليه، ثابتًا مطمئنَّ النَّفس، ومستَقرًّا استقرار الجبَال الرَّواسي، لا تزعزعُه الفتَن العاصفَات، ولا تحرِّكه النَّوازلُ المدلهمَّات؛ لأنَّ مَن أسكنَ العلمَ الصَّحيحَ في سويداء قلبه وجعلَه موطنًا له، فإنَّه لا يرومُ عنه انتقالا ولا تحوُّلا، وصَدق مَن قَال:

تزولُ الجبَالُ الرَّاسيَات وقلبُه    عـلـى العَهْـد لا يَلْـوي ولا يـتَغيَّر

فإذا رأيتَ الرَّجل ينتَقلُ من موقِفٍ إلى موقِفٍ آخَر يُضادُّه، أو يقولُ قولا ثمَّ يأتي بما يُناقضُه، أو يُظهر في العَلن غيرَ ما يُصرِّح به في السِّرِّ، أو يستَقبحُ ما كانَ يستحسنُ، ويستَحسنُ ما كانَ يستقبحُ؛ فاعلَم أنَّه مُتلوِّنٌ مفتُونٌ، دَخَلَ أبو مسعود الأنصاري عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: أَوْصِنَا يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَمَا جَاءَكَ الْيَقِينُ؟ قالَ: بلَى وَرَبِّي، قَالَ: فإنَّ الضَّلالَةَ حقَّ الضَّلالةِ أَنْ تَعْرِفَ اليَوْمَ ما كُنْتَ تُنْكِرُ قبْلَ اليَوْمِ، وأنْ تُنْكِرَ اليَوْمَ ما كُنْتَ تعْرِفُ قبْلَ اليَومِ، وإيَّاكَ والتَّلوُّنَ، فإنَّ دينَ اللهِ واحِدٌ»(2) فشهد هذا الصَّحابي العارف بحقيقَة الفتنة وخبَاياها، أنَّ الضَّلالةَ حقَّ الضَّلالة هُو هذَا التَّحوُّل الَّذي يقَع فيه المرءُ مِن غير داعي العِلم بظُهور الحُجَّة والدَّليل الصَّحيح الصَّريح، بل بدَاعي الهوى وحظِّ النَّفس، فيَعرفُ ما كانَ عندَه منكرًا، ويُنكر ما كانَ عندَه معروفًا، مثل مَن يُصدِّق مَن كانَ عندَه كاذبًا، ويكذِّبُ مَن كانَ عندَه صادقًا، ويُؤخِّر مَن كانَ عندَه مقدَّمًا، ويُقدِّمُ مَن كان عندَه مؤخَّرًا، فالعالمُ الذي كان عندَه بالأمس القَريب مُعظَّمًا مُبجَّلا لا يكادُ يُخالفُه في حكم أو رأي، يصيرُ اليومَ مُبعَدًا مهمَّشًا مُهشَّمًا لا يُعبَأ بأحكامه ونصائحه، ومتَّهمًا في بطانتِه وصُحبَته، ويستَمر المتلوِّنُ على هذا الحال في تغيير قناعاته وتصوُّراته، فلا يثبت على حال، ولا يزيدُه ذلكَ إلاَّ تردِّيًا وتوغُّلاً في الفتنَة؛ لهذا أكَّد حذيفة بن اليمان رضي الله عنه على التَّحذير من التَّلوُّن في الدِّين، فقَال: «وإيََّاكَ والتَّلوُّنَ، فإنَّ دينَ الله واحِدٌ».

إنَّ السَّببَ الرَّئيس للوقُوع في التَّلوُّن هو عدَم العَمل بالعلم، وأعظمُه فسادًا أن يتقاعَس المنتَسب للعلم عن الحُجَج والدَّلائل في مسائل العِلم، فأيُّ حكم لا يصدُر عن دَليل وبُرهانٍ فإنَّ صاحبَه مُعرَّضٌ للتَّقلُّب والتَّلوُّن والاضطراب، نقَل ابنُ مفلح في «الآداب الشرعية» (1/263) عن أبي الوفَاء ابن عَقيل أنَّه قال: «مَنْ صَدر اعتقَادُه عن بُرهانٍ لم يَبقَ عندَهُ تلوُّنٌ يُراعِي به أحوالَ الرِّجالِ».

فالسَّلفيُّ يُدركُ أنَّ العلمَ: مسَائل ودلائِل، ولا يُمكنُ حجْبُ مسألة عن دليلها، فلا يجوزُ لأحدٍ كائنًا مَن كانَ أن يُبطلَ قولاً أو يحرِّم فعلاً إلاَّ بالدَّليل والحجَّة والبُرهان، قال ابنُ تيميَّة رحمه الله: «وممَّا يجبُ أن يُعلَم أنَّ الَّذي يُريد أن يُنكر على النَّاس ليسَ له أن يُنكر إلاَّ بحُجَّة وبيَان، إذ ليسَ لأحدٍ أن يُلزِمَ أحدًا بشَيء، ولا يحظُر على أحَدٍ شيئًا بلا حُجَّة خاصَّة، إلاَّ رسُول الله ﷺ المبلِّغ عنِ الله»(3).

فالدَّليل مطلوبٌ في مسائل الفقه، ومسائل العقيدة، ومسائل التصحيح والتضعيف، ومسائل الجرح والتعديل والحكم على الأشخاص وهكذا..، فمَن رامَ تغييبَ هذا الأصل بإبعاد الدلائل عن المسائل، وإصدار أحكام عارية عن الدَّليل،  فقَد سعى في الفَتك بمنهج أهل السُّنَّة والجماعة وهدمِ قواعده وإضعافِه؛ لأنَّ مُفارقَةَ الدَّليل تعني تضييع الطَّريق، ومَن أضاع الطَّريق دخل في أنفاق الحَيْرة والاضطراب، وبخاصَّة عند حلول الفتَن.

ولهذا لمَّا كانَ أبو بكر صدِّيقُ هذه الأمَّة رضي الله عنه عاملا بعلمِه ومُستَمسكًا بسنَّة نبيِّه ﷺ ولم يُخالف شيئًا منها أبدًا، عاشَ ثابتًا سائر حياتِه فلَم يتغيَّر، ولم يتلوَّن، ولم يضطرب على اختلافِ الأحوال، وطروءِ الأهوال، سواء في حياة النَّبيِّ ﷺ أو بعد موتِه، ومع رسوخه في العلم وسابقتِه وعلوِّ منزلتِه لم يكُن يستَنكف أن يُناقشَه غيرُه ممَّن هُو دونَه، فلا يصدُر في جميع تصَرُّفاته إلاَّ عن حجَّة ودليل، فبمثله رضي الله عنه يقتَدي العالِم والمتعلِّم ويكون أسوةً لهما في الثَّباتِ على الحقِّ، وعدم التَّلوُّن في الدِّين.

وعليه؛ فإنَّ لزومَ العلم في كلِّ الأوقات، والتزامَ أحكامه في كلِّ الأوضاع، هو عصمةٌ للعبد من اتِّباع الهوى؛ لأنَّ الله يقول: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ[القصص:50].

قال ابنُ القيِّم رحمه الله: «فقسَّمَ الأمرَ إلى أمرَيْن لا ثالثَ لهُمَا، إمَّا الاستجَابَةُ للَّهِ والرَّسُولِ وما جاءَ بهِ، وإمَّا اتِّبَاعُ الهوَى، فكُلُّ ما لمْ يأْتِ بهِ الرَّسُولُ فهُو مِن الهوَى»(4)، ومَن ركبَ الهوى فإنَّه سيَقع ـ لا محالةَ ـ في مُستَنقَع التَّلوُّن والتَّنقُّل في الدِّين، لهذَا قالَ ابنُ عونٍ: «إِذا غلَبَ الهوَى علَى القَلبِ استحْسَن الرَّجُلُ ما كانَ يسْتَقبحُهُ»(5).

ومن أسباب الوقُوع في التَّلوُّن: مماراة أهل الباطل والأهوَاء، والخوض مع المتشكِّكة في مجادلات عقيمَة؛ قال عُمَر ابن عبد العَزيز رحمه الله: «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غرَضًا للخُصُومَاتِ أكثَرَ التَّنَقُّلَ»(6)

وقال مَعْنُ بنُ عيسى: انصَرفَ مالك ابنُ أنسٍ يومًا منَ المسجدِ، وهُو متَّكِئٌ على يدي، قالَ: فلحِقَهُ رجُلٌ يُقَالُ لهُ: أبُو الجُوَيْرية كانَ يُتَّهَمُ بالإرجَاءِ، فقالَ: يا أبَا عبدِ الله اسْمَعْ منِّي شَيئًا أُكَلِّمك بهِ وأُحاجَّك، وأُخْبرْك برأْيي؛ قالَ: فإنْ غلبتني؟ قالَ: فإِنْ غَلَبْتُكَ اتَّبَعْتَنِي؛ قالَ: فإِنْ جَاءَ رجُلٌ آخَرُ، فكَلَّمَنَا، فغلَبَنَا؟ قالَ: نتَّبعُهُ، فقَال مالكٌ: يا عبْدَ الله؛  بعَثَ اللهُ مُحمَّدًا ﷺ بدينٍ واحِدٍ، وأرَاكَ تنْتَقِلُ مِن دينٍ إلى دينٍ»(7).

لهذا كانَ مسلكُ المتكلِّمين من أردَى المسالك في العلم والدِّين وأفسَدِها؛ لأنَّه يورِّثُ الشَّكَّ ويُضعفُ اليَقين، بسَبَب التَّلوُّن وكثرة الانتقَال من قَول إلى آخَر، قال ابنُ تيميَّة رحمه الله: «أهلُ الكلام أكثر النَّاس انتقَالاً مِن قَول إلى قَول، وجزمًا بالقَول في موضِع، وجزمًا بنَقيضِه، وتكفير قائلِه في موضِع آخر، وهذَا دليلُ عدَم اليَقين»(8).

ومن قَبيح ثمَار التَّلوُّن في الدِّين أن يكشفَ اللهُ سترَ هذا المتلوِّن، ويُظهر عيوبَه للعيَان حتَّى لا يُتَّخذ قدوةً فيُفسدَ على النَّاس دينَهم وعقيدتَهم، قال الفُضَيل ابن عياض رحمه الله: «لا يَزَالُ العَبْدُ مَسْتُورًا حتَّى يَرَى قَبيحَه حسَنًا»(9)؛ فمَن علمَ الحقَّ ثمَّ تنكَّب طريقَه فقَد عرَّض نفسَه للهلاك، وسمَح لغَيْره أن يصفَه بأقبَح الأوصَاف، فتركُ الحقِّ ومخالفتُه بعد الوقُوف عليه ومعرفتِه، أشنَع بكثير ممَّن خالَف الحقَّ وزاغ عنه بجَهْل وغير معرفة سابقَة به، لهذا قَال الحسَنُ البَصري رحمه الله: «ما رأيتُ أحدًا أشَدَّ تولِّيًا مِن قَارئ إذَا تولَّى»(10).

وأمَّا أهل السُّنَّة والحديث ـ كما قَال ابن تيميَّة ـ: «فمَا يُعْلَمُ أحدٌ من عُلمائهم ولا صالح عامَّتِهم رجَع قطُّ عن قَوله واعتقادِه؛ بل هُم أعظمُ النَّاس صبْرًا على ذلكَ، وإن امتُحِنُوا بأنواع المِحَن وفُتِنُوا بأنواع الفتَن»(11).

فاللهمَّ ثبِّتنا على دينك وسنَّة نبيِّك، فإنَّه لا مثبَّت إلاَّ  مَن ثبَّتَه الله القَائل لنبيِّه: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا[الإسراء:74].

 



(1) أخرجه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (576).

(2) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (21378)، وابن بطة في «الإبانة» (25، 571ـ573)، والهروي في «ذم الكلام» (640)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (120)،

(3) «مجموع الفتاوى» (3/ 245).

(4) «إعلام الموقعين» (2/ 88).

(5) أورده ابن بطة في «الإبانة الصغرى» (84).

(6) أخرجه الدارمي في «مسنده» (313).

(7) أخرجه ابن بطة في «الإبانة» (583).

(8) «الانتصار لأهل الحديث» (ص72).

(9) أورده ابن بطة في «الإبانة الصغرى» (85).

(10) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (36347).

(11) «الانتصار لأهل الحديث» (ص72)

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 60»