أنت هنا:الكلمة الشهرية»التذكير بمنهج السلف

التذكير بمنهج السلف

  • شعبان 1440 ـ أفريل 2019
  • عز الدين رمضاني
تم قراءة المقال 787 مرة

 

إنَّ أوَّل ما يجب أن تتوجَّه إليه العناية في ميادين الإصلاح: تصحيحُ العقائد والمناهج، وتنقيتُها من المفاهيم المغلوطة، والتَّصوُّرات الفاسدة، فرُغم وضوح دين الإسلام وقوَّة حججه وظهور دلائله في الآفاق إلَّا أنَّ من تولَّى الدَّعوة إليه وبيان محاسنه والدِّفاع عنه لم يكن ذلك القويِّ الأمين، ولم يمسك بالحبل المتين بسبب هشاشة المذاهب وفساد المناهج على كثرتها وبروزها عبر حقب الزَّمان والتي أخذت على عاتقها أمانة الدَّعوة والتَّبليغ وحراسة الدِّين، فلم تَفِ بالموعود ولم تمكِّن للإسلام ولا حقَّقت آمال المسلمين في ظهورهم على أعدائهم والتَّصدِّي لعدوانهم الآثم، ممَّا ولَّد اليأس وأورث البأس عند الكثيرين من المنتسبين لهذا الدِّين والمنضمِّين إليه.

وحرف المسألة في كلِّ هذا هو بُعد هذه المذاهب والمناهج والجماعات عن منهج السَّلف وشرودها عن خطِّه المستقيم، حيث أرادت الاستغناء عنه بفرض بدائل، وإقحام مسائل لم يعهدها جيل السَّلف، ولا ربَّوْا الأمَّة عليها بدعوى التَّجديد ونبذ التَّقليد، وتوسيع دائرة الاجتهاد دون قيد أو ضابط، وإعمال معاول الهدم بالتَّشكيك وزرع الشُّبه في غراس الأصول التي قام عليها مذهب السَّلف.

فكان هذا التَّغيير في المسار هو بداية الانحراف عن نهج السَّلف، وقد يقوى أحيانًا في بعض العصور عندما يتمكَّن أهل البدع والأهواء فيصولون ويجولون بمقالاتهم الباطلة، يكسونها بعبارات جذَّابة ويتخيَّرون لها من الألفاظ الرَّائقة ما يسرع إلى قبوله كلُّ من ليس له بصيرة نافذة، ويقابله تقصير بعض أهل السُّنَّة في مواجهة ذلك الطُّغيان ومنع سيل طوفانهم المتدفِّق من أن يغْمُر القلوب ويفسد العقول، فأهل الباطل لهم علوم كثيرة وكتب وحجج،  ولهم من الشُّبه ما يميلون بالمستقيم على الجادَّة إلى حافَّة الهلاك والضَّياع؛ لذا يتعيَّن على المتَّبعين لمنهج السَّلف وعلى رأسهم علماؤهم ودعاتهم أن لا يُغفلوا التَّذكير بأصول منهج السَّلف وتربية الأمَّة عليه، والعمل على ترسيخه في أذهان المؤمنين به والمنتسبين إليه، وتكرار ما قد قيل وبُيِّن من قِبل علماء السَّلف السَّابقين في كلِّ مناسبة تحين، وفرصة تُساق، في الخطب والدُّروس، والمقالات والكتابات، وأن لا يملكهم جبن أو خَوَر في إظهار ما هم عليه من الحقِّ في الدِّين والرَّحمة بالخلْق، فمذهب السَّلف هو الإسلام المحض الخالص، وهو مذهب في غاية الإحكام والسَّداد، والثَّبات والاطِّراد، يعوِّل على نصوص الوحيين إيمانًا وعملًا، وأهله أكثر النَّاس رسوخًا في العلم وأسعد الطَّوائف باتِّباع الدَّليل، يؤمنون بالوسطيَّة التي اعتبرها الشَّرع المنزَّل، مجتنبين التَّرخُّص الجافي والتَّشدُّد الغالي، وتقريراتهم في العقيدة والدَّعوة والسُّلوك تتميَّز بالوضوح والظُّهور والإفصاح والبيان، وتعويلهم على الألفاظ الشَّرعيَّة والعبارات الواضحة في مقارعتهم حجج المبطلين وبيان الحقِّ الذي عندهم، ورَّث لهم رسوخَ الإيمان، والإجلالَ والتَّعظيم لشعائر الدِّين، ورحابة وسعة في الفهم، وقد كان هذا من أعظم الأسباب في قبول منهج السَّلف وذيوعه والاستفادة منه حتَّى إنَّه وُجِد من أهل الأهواء والبدع من اعترف بذلك ولم يخفه قائلًا: «هذا إذا سمعه النَّاس قبلوه وتلقَّوه بالقبول، وظهر لهم أنَّه الحقُّ الذي جاء به الرَّسول، ونحن إذا أخذنا الشَّخص فربَّيناه وغذَّيناه ثلاثين سنة ثمَّ أردنا أن ننزِّل قولنا في حلقه لم ينزل في حلقه إلَّا بكلفة» [«درء تعارض العقل النقل» (5 /62)].

وممَّا يتميَّز به مذهب السَّلف على غيره أنَّ أهله عندهم من العدل والإنصاف ما جعلهم يقبلون الحقَّ من كلِّ أحدٍ ولو كان من مخالفيهم، ويردُّون على المبطِل باطله ولو كان من موافقيهم، فهم بهذا متَّبعون للحقِّ ناصرون له بالدَّليل، لا يعدلون عنه لرأيِ معظَّم عندهم يحبُّونه، أو متبوع فيهم يُجلُّونه، كما لا يجعلون من زلَّة العالم وكبوته المعروف باتِّباع السُّنَّة مسوِّغًا لظلمه والنَّيل منه والتَّشهير به، قال شيخ الإسلام في «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (4 /43): «إنَّ الرَّجل العظيم في العلم والدِّين قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظَّنِّ ونوعٍ من الهوى الخفيِّ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتِّباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتَّقين».

ولهذا كان من أصول مذهبهم ربط النَّاس بالكتاب والسُّنَّة، ولم يكن من أصول مذهبهم ربطُ النَّاس بالخلق والثِّقة بالأشخاص وتقديس ذواتهم والغلوُّ في تعظيم أحوالهم والرُّكون إلى آرائهم إن كانت عاريةً من الدَّليل، مقطوعةَ النَّسب عن إرث السَّلف، فكلُّ ذلك ضلال وابتداع وتفلُّتٌ من لزوم مذهب الحقِّ، وهو من خبايَا النُّفوس الملتوية وآفات أهل الأهواء، نَقل ابنُ تيمية عن أبي الوفاء ابن عقيل هذه العبارة الفذَّة في التَّحذير من هذا المسلك المنابذ لما عليه عمل السَّلف في كتابه «درء تعارض العقل والنَّقل» (8 /67)، قال: «أنا أنصح بحكم العلم والتَّجارب: إيَّاك أن تتَّبع شيخًا يقتدي بنفسه، ولا يكون له إمام يُعزى إليه ما يدعوك إليه، ويتَّصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السَّفير ﷺ، اللهَ اللهَ، الثِّقة بالأشخاص ضلال، والرُّكون إلى الآراء ابتداع..».

ومن متين أصول منهج السَّلف سلوك سبيل الرُّسوخ في العلم وإحكام مسائله وتحرير قواعده وضبط مسالكه لدفع التَّشغيب عن مذهب السَّلف، ومدافعة الشُّبهات التي تَرد عليه، وإبراز أغاليط المخالفين السَّاعين لتكدير صفوه وتشويه جماله، «لأنَّ الطَّريق إلى الله لابدَّ له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحًا لك تقاتل به هؤلاء الشَّياطين... فجُند الله هم الغالبون بالحجَّة واللِّسان كما أنَّهم الغالبون بالسَّيف والسِّنان، وإنَّما الخوف على الموحِّد الذي يسلك الطَّريق وليس معه سلاح» [«كشف الشبهات (ص13 ـ 14)].

فتحصين الإيمان بالعلم والعلم بالإيمان أمران متلازمان لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، وبهما يتحقَّق الثَّبات على دين الله والسَّلامة من الشُّبهات، «فإنَّ الإنسان قد يؤتى إيمانًا مع نقص علمه، فمثل هذا الإيمان قد يُرفع من صدره كإيمان بني إسرائيل لمَّا رأوا العجل، وأمَّا من أُوتي العلم مع الإيمان فهذا لا يُرفع من صدره، ومثل هذا لا يرتدُّ عن الإسلام قطُّ، بخلاف مجرَّد القرآن أو مجرَّد الإيمان، فإنَّ هذا قد يرتفع، فهذا هو الواقع» [«المجموع» (18 /305)].

فالقلب إذا خلا من الإيمان والتَّوحيد، والعقلُ إذا لم يتشبَّع من علوم الشَّريعة صار مرتعًا فسيحًا للشَّهوات والشُّبهات.

ومن أصول مذهب السَّلف الدَّعوة إلى الائتلاف والاجتماع الذي يتحقَّق بلزوم الصِّراط المستقيم والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، والتَّحذير من الابتداع والإحداث في دين الله المؤدِّي إلى اندراس السُّنن ووقوع العداوة والبغضاء وحرمان التَّوبة، والتَّعرُّض للعقاب والوعيد، أمَّا مخالفوهم فدعوتهم لاجتماع كلمة المسلمين وائتلاف قلوبهم تكون بمجانبة الصِّراط المستقيم، وتهوين المحدثات في الدِّين، ومصانعة أهل البدع ومداهنتهم، وإهدار أصول مذهب السَّلف في المسائل والدَّلائل، قال شيخ الإسلام [«الدَّرء» (5 /248)]: «متى تركوا الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة فلابدَّ أن يختلفوا، فإنَّ النَّاس لا يفصل بينهم إلَّا كتاب منزَّل من السَّماء»، وقال أيضًا رحمه الله كما في «المجموع» (3 /421): «فمتى ترك النَّاس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرَّق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإنَّ الجماعة رحمةٌ والفرقة عذاب».

فالمتعيِّن على من تشرَّب منهج السَّلف وأحبَّه أن يتمسَّك به ويبلِّغه إلى من لم يصله حسب القدرة والإمكان، وأن يستفيد من جهود السَّلف ومواقفهم في الذَّبِّ عن شعائر الدِّين ونشر السُّنَّة والرَّدِّ على الباغين بعلم وعدل دون خنوع أو مداهنة، وتعرية زندقتهم ونسف شبههم بالوسائل المشروعة، مستعينًا بالله ومتوكِّلًا عليه حريصًا على ما ينفع، مشتغلاً بما فيه عمل، محقِّقًا وصف السَّلف فيما قاله عنهم ابن عقيل: «عَبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات وجدٌ وتشمير في الأعمال والطَّاعات»، والله وحده الموفِّق لا ربَّ سواه.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 61»