أنت هنا:الكلمة الشهرية»ذم النميمة

ذم النميمة

  • ربيع الأول 1435 - يناير 2014
  • عثمان عيسي
تم قراءة المقال 5343 مرة

 

إنَّ قوَّة الأمَّة بقوَّة تمسُّك أفرادها بالدِّين الحقِّ، وضعفَها بضعف ذلك، وترك الاستمساك بالدِّين، وعدم العمل بشرائع الإسلام يسبِّب للأمَّة الوهن، ويورثها الذِّلَّة والصَّغار بين سائر الأمم.

وقد ظهرت في المجتمع المسلم ـ وللأسف ـ صور من الانحرافات السُّلوكيَّة، وطائفة من مساوئ الأخلاق ومنكراتها، كادت تشوِّه بهاء الإسلام في الأنظار، وتعكس ـ سلبًا ـ حقيقتَه للأغيار.

لا يخفى على كلِّ ذي عقل سليم، ودين قويم، أنَّ المجتمع الرَّبَّانيِّ إنَّما يقوم على أساس العقيدة السَّنيَّة، والمنهج السَّلفيِّ الحقِّ، والأخوَّة الإيمانيَّة الصَّادقة، وهي الوشائج الكبرى الَّتي ينبغي أن يلتقي عليها كلُّ مؤمن، فينتظم في سلكها، يعتصم المسلم في ظلِّها بالكتاب والسُّنَّة، يأتمر بأمرهما وينتهي بنهيهما، يوالي أهل الإسلام والسُّنَّة، ويعادي أهل الكفر والبدعة، ـ أهل الشُّبهات والشَّهوات ـ، يتخلَّق بالأخلاق الفاضلة العالية، ويبتعد عن الخصال الدَّنيئة السَّافلة، قد ملأ قلبَه بالتَّآخي والتَّعاون والإيثار، وصدرَه بالرِّفق والحلم، ونَفسَه بالتَّواضع مع إخوانه المؤمنين الأبرار.

هذا، وقد سدَّ الإسلامُ كلَّ الطُّرق المفضية إلى هدم قواعد هذه المحبَّة والرَّحمة، فحرَّم ما مِنْ شأنه أن يصدع هذا البنيان، ويزعزع فيه الأركان، كما بيَّن دينُنا الحنيفُ خيرَ بيان الأمراضَ والأدواءَ الخطيرة الَّتي تعتري سلوكات الإنسان، ممَّا له أكبر  الأثر السَّيِّء على الأخلاق والإيمان، ومن هذه العلل السُّلوكيَّة الذَّميمة: خصلةُ المشي بين النَّاس بالنَّميمة.

إنَّ النَّميمة في عرف الشَّرع هي: نقل كلام النَّاس بعضهم لبعض بقصد الإفساد، وهي من أربى الرِّبا، ومن الكبائر المحرَّمة، نصَّ على ذلك غير واحد من أهل العلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ هِيَ النَّمِيمَةُ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»، وَإِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا»(1).

ففسَّرها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالقالة بين النَّاس: أي: نقل القول بينهم، فإنْ كان صادقًا فهي نميمة فحسْب، وإن كان كاذبًا فهي بهتان ونميمة.

وهذا كلُّه فيما ليس فيه مصلحة شرعيَّة، وكان على جهة الإفساد.

أمَّا إن دعت الحاجة إلى نقل الكلام على جهة الإصلاح، فلا مانع من ذلك، بل قد يكون بعضه مستحبًّا أو واجبًا، والله أعلم.

ومن دقَّة فقه الإمام محمَّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله أنْ ذكر هذا الحديث في كتابه الفذِّ «كتاب التَّوحيد» تحت باب: بيان شيء من أنواع السِّحر، وذلك إشارةً منه رحمه الله إلى شَبَه النَّميمة بالسِّحر (الحسِّي) من حيث أثرُها في التَّفريق بين الأحبَّة، حتَّى غدت أصلَ كلِّ عداء، وداءَ كلِّ إخاء، فهي تقلب المودَّة عداوة، والصِّلةَ قطيعة، شأنُها في ذلك شأنَ السِّحر، بل هي أشدُّ تأثيرًا منه وأبلغ، ورحم الله يحي بنَ أبي كثير حيث قال: «يفسد النمّام في ساعة ما لا يفسده الساحر في شهر»(2).

وقد جاء تحريمُ النَّميمة في كتاب الله عز وجل وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم :

قال الله عز وجل ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِين * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم﴾[القلم 10-11].

والهمَّاز هو: العيَّاب الطَّعَّان المغتاب.

والمشاء بنميم: هو السَّاعي بين النَّاس بالإفساد، والسَّائر بينهم بالفتنة، يتجشَّم المشقَّة لأجل النَّميمة، فالمبالغة في الكلمتين لقوَّة الصِّفة(3).

وفي «الصَّحيحين» عَنْ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ في المَسْجِدِ فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ إِلى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ.

فَقَالَ حُذَيْفَةُ ـ إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ ـ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»(4)، وفي رواية لمسلم(5) «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ».

وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ...»(6) الحديث.

إنَّ النَّميمة داءٌ وآفة خبيثة إذا استشرت في أمَّة هدَّمت قواعدها، وقوَّضت بنيانها، وألقت بها في مكان سحيق، تفطّر أواصر الأخوَّة والمحبَّة، وتنقطع أوصالها وتتبدَّد، وتتلاشى العلاقات الاجتماعيَّة بعد استقرارها، فيخلف التَّباغضُ والتَّدابرُ والشَّحناء، الأخوَّةَ والمودَّةَ والصَّفاءَ.

إنَّ النَّمَّام متخلِّق بكلِّ مكروه، خسيس الطَّبع، دنيء النَّفس قد طمس في نفسه شعلة الحقِّ، فتلبَّس بكلِّ ضعة ونقيصة وقبيح، أورد نفسه قذارة الإثم ووحل المعصية.

إنَّ أشدَّ ما تجد في القتَّات المشَّاء بنميم أن ترى في بعضهم مَن ظاهره سمت المؤمنين الغافلين، وإذا بباطنه حقد المبغضين الشَّانئين، يتظاهر بقصد النُّصح للعباد وهو مسرف في الانتقام لنفسه، متَّبع لهواه، قد أعياه طلب الرِّفق والحلم، ودفع ما يجد في صدره من حسد ونحوه تجاه إخوانه، فأراح نفسه، وأطفأ نار قلبه، بإرسال لسانه في نقل الأخبار من هذا إلى ذاك، على جهة السِّعاية والوشاية والإفساد، فكان أمره فرطًا، قد نال بسوء فعله، ووضيع صنيعه وبالَ وأوزارَ ما أوقد جمرتَها وأضرم فتيل نارها.

وقريبٌ من هذا في النَّسب ذو الوجهين، الَّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، تراه إذا واجه المرءَ أسمعه ما يرضيه، وإذا أعرض عنه نهش لحمه وانتهك عرضه وذكر عيبه وكلَّ مكروه فيه، امتهن مهنةَ الشَّيطان فرضيَها لنفسه، وهي مهنة الإفساد بين النَّاس، والايقاع بينهم، حتَّى لا تكاد تعرفه بين الخليقة إلاَّ بذلك، همُّه التَّزلُّف إلى من يرضيه ولو بسخط ربِّه عليه، وحلق دينه بيديه، لقد أضرَّ هؤلاء بالمتاحبِّين في جلال الله عز وجل، فأفسدوا عليهم مودَّتهم وخلَّتهم، وقطعوا عليهم وصالهم، فكم من أبرياء ذهب ضحيَّتهم، ولم يسلم من شرورهم حتَّى العلماء وطلبة العلم الَّذين يصلحون ولا يفسدون، فكادوا لهم بأنواع من الشَّائعات والنُّقولات المختلقة المكذوبة، فهم شرار الخلق كما أخبر الصَّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: «...وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ المَشَّاءُونَ بالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ البَاغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ»(7).

وكما يعظم إثم النَّمام إذا كانت النَّميمة في الأوقات الفاضلة شرعًا كرمضان، والأماكن المباركة كالحرمين الشَّريفين، ومساجد الله عز وجل، فكذلك يعظم إثمها إذا كانت للايقاع بين أهل العلم والصَّلاح بترصُّد هفوات لسانهم وزلاَّتهم، وتتبُّع عثراتهم ثمَّ نقلها من هذا إلى ذاك، كما نبَّه على ذلك العلماء.

قال الشَّيخ ابن العثيمين رحمه الله: «وأعظم النَّميمة أن ينم الإنسان بين علماء الشَّرع، فينقل عن هذا العالم إلى هذا العالم الكلام بينهما ليفسد بينهما، ولاسيما إن كان كذبًا؛ فإنَّه يجمع بين النَّميمة والكذب... فإنَّ هذا من كبائر الذُّنوب، وفيه مفسدة عظيمة، وإيقاع للعداوة بين العلماء، فيحصل في ذلك تفكُّك في المجتمع تبعًا لتفكُّك علمائهم...»(8)اهـ.

إنَّ الاتِّصاف بهذه الخصلة الشَّنيعة ينبئ عن نفسيَّة مريضة عليلة، لا تجد راحتها إلاَّ في إيذاء المؤمنين والمؤمنات، فيَأْلَمُون إذا رأووا الودَّ والتَّآخي بين المؤمنين، والمحبَّة والتَّقدير والاحترام والتَّعاون على الخير والتَّناصح فيه بين أهل العلم وطلبته، وغير ذلك من الأخلاق الإيمانيَّة الَّتي يقوم عليها المجتمع المسلم، إذا رأى هؤلاء القتَّاتون المشَّاؤون بالنَّميمة ذلك عضُّوا على أناملهم من الغيظ، ولسانُ حال الواحد منهم يقول: لا يهدأ لي بال حتَّى أفسد ذات بينِهم، وأشتِّت شملهم!  قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾[الأحزاب:58]، فكفى هذا الصِّنفَ من أهل الفساد والإفساد وعيدًا قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ»(9).

إنَّ طيب معدن المرء يأبى عليه هذه الخصلة الشَّنيعة وسائر الخصال الذَّميمة، فلا ترى المؤمن الحقَّ، يحوم حول هذا الفعل القبيح، لا من قريب ولا من بعيد، لا تصريحًا ولا إيماءً، فلا يكون سببًا في نقل الكلام على سبيل الإفساد أبدًا، ـ بغضِّ النَّظر عن قصده فيه ـ وهذا أمرٌ أرى ضرورة التَّنبيه عليه؛ لأنَّه ابتلي أقوام بنقل الحديث كما ابتلي آخرون بالاستماع إليه، وهذا عيبٌ سلوكيٍّ إذا صدر من أهل الفضل، من طلبة العلم ونحوهم؛ لأنَّ في صنيعهم تشبُّهًا بالصِّنف المذموم، فلا ينبغي لكلِّ ذي دين ومروءة وعقل، أن يكون سمَّاعًا لمن ينقل إليه الشَّائعات، فضلاً عن تصديقه أو إقراره على صنيعه، بل ينبغي نصحه وتعليمه وتذكيره وتأديبه، وهذا منهج سلفيٌّ مرسوم، يجب أن يحتذى به عند سماع مثل ذلك، لا يغفل عنه الصَّغير ولا الكبير، ولا يغترُّ طالب العلم بعلمه أو مكانته، فيتَّصف ـ من حيث لا يشعر ـ بهذا الخلُق الدَّنيء، فتراه ينتظر من يأتيه بالأخبار ويزوِّده بها، ثمَّ يتَّكئ عليها في إصدار الأحكام على إخوانه، ممَّن يعلم منهم صحَّة المعتقد وسلامة المنهج، حتَّى غدَا من حيث لا يشعر ـ أيضًا ـ حبيس وأسير هذه العادة السَّيِّئة وهي: الاستماع لمن يتقرَّب إليه زلفى برقاب إخوانه من طلبة العلم العاملين، خاصَّة مع ظهور صنف غريب من المتعلِّمين (زعموا) من الهاذين الهاذرين الَّذين امتهنوا الوشاية بين الدُّعاة إلى الله عز وجل، قصدَ التَّقرُّب إلى الشَّيخ الفلاني أو العلاَّني،ـ كمريدي الصُّوفيَّة سواء بسواء ـ ولو على حساب دينهم وشرع ربِّهم عز وجل، فطغوا على حقوق غيرهم من الأقران والأنداد، وفي أحيان أخرى تجاوزوهم إلى التَّضحية بالمشايخ أنفسهم، لا لشيء إلاَّ الحظوة عند الشَّيخ المحكي له والأثرة به، ـ ولو على جهة الإفساد ـ!

فينبغي للكيِّس الفطن أن يقطع الطَّريق ويسدَّ ذريعة السُّعاة والوشاة، حتَّى يكبت غيظهم في صدورهم، ويردَّ كيدَهم عليهم، مستحضرًا مقولة الإمام الشَّافعي رحمه الله: «من نمَّ لك نمَّ عليك».

والْحَظْ قولَه تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِين * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم﴾[القلم 10-11]، في الآية الكريمة، تنبئك عن أدبٍ عظيم في التَّعامل مع هذا الصِّنف من النَّاس، وهو عدم الاستماع لهم، أو طاعتهم فيما يقولون وينقلون، فلا يكون المرء ـ فضلاً عن طالب العلم ـ لهم أُذُنًا، يقذفون في قلبه ما يوغرون به صدره على إخوانه، بل وخاصَّة أصحابه! لأنَّه ليس أضرّ على الأمَّة الإسلاميَّة ـ بعد الشِّرك والبدع والمعاصي ـ من تفكُّك أواصر الأخوَّة والمحبَّة والمودَّة بين أفرادها، فإنَّ هذه لإحدى المهلكات الموبقات.

وإنَّ من عدل الله عز وجل مع هؤلاء المشَّائين بنميم، الَّذين يرضون الخلق بسخط الخالق جل وعلا، أنَّه يعاجلهم بالعقوبة ليذوقوا وبال ما صنعوا، وإنَّما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح السَّاحر حيث أتى، إذ لا أغير من الله عز وجل، فيقذف في قلوب من نمُّوا إليهم بغضَهم وكرههَم لهم ولو بعد حين، جزاءً على سوء صنيعهم، وجرم فعلهم، فما عُرف أحد بين النَّاس بالنَّميمة إلاَّ وكانت نهايتُه في خسران وتباب ـ إلاَّ من أصلح وتاب ـ ، قد نبذه المحكي له بالعراء بعد أن كان بالقرب منه مغرورًا، وأبعده عنه فصار قاعدًا لوحده ملومًا محسورًا، كلَّما رآه من كان بالأمس يفرح بخبره؛ ضاق صدره، وارتفع ضغطه، واسودَّ وجهه، وجاس منه خيفةً أن يأتيه بما ينكِّد عليه صفاءه وسريرته!

ذكَّرت بهذا؛ لأنَّ الإنصاف عزيز وقويم، وأكثر النَّاس يقول: أنا به زعيم! وسلامة القصد، وحسن السَّريرة محلُّهما القلب، لكن الأعمال الظَّاهرة أمَارة عليهما، ولهذا كان التَّثبُّت والتَّأنِّي مطلوبين لكلِّ من أقدم على تعامل مع الأخبار، أو تواصل مع الأخيار، فلا يخوض في مجالسه الخاصَّة والعامَّة دون حيطة وحذر لعلَّه يصيب أحدًا من إخوانه الصَّادقين في مقتلٍ، فيعود على نفسه بالحسرة والنَّدامة من سوء تسرُّعه في القول أو الفعل: ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين﴾[الحُجُرات:6].

إنَّ النَّميمة كغيرها من الأمراض الاجتماعيَّة لها أسباب عدَّة ظاهرة وخفيَّة، مدارُها حول «إرادة السُّوء للمحكيِّ عنه أو إظهار الحبِّ للمحكيِّ له أو التَّفرُّج بالحديث والخوض في الفضول والباطل...»، وكلُّ واحد منها يحتاج إلى بسط لا يتَّسع له المقام، ولا يكفي لتحليلها سطور في مقال، ولكن تكفي المؤمنَ الموفَّقَ هذه الاشارات لإدراكه عظم المأمورات، وخطر شأن المحرَّمات، وما لكلِّ واحد منهما من أثر على حياة الأفراد والمجتمعات، وهو كاف ـ إن شاء الله تعالى ـ لقطع دابر هذا الدَّاء القاتل، في العاجل والآجل.

وينبغي إبعاد واطِّراح هذه الظَّواهر الَّتي تمثِّل عللاً في المجتمع، والكفّ عنها من الجميع، ـ تطهيرًا له منها ـ خاصَّة مَن لهم لسان في الأمَّة من حملة الأقلام، من الكتَّاب والصُّحفيِّين، أو الخطباء المفوَّهين، الَّذين يغذُّون ـ ببعض كتاباتهم وخطاباتهم ـ الفرقةَ والقطيعة بالقالة الكاذبة، والنَّميمة الجائرة.

إنَّه لا بدَّ للنَّاس من نقلة واعية من المعصية إلى الطَّاعة، ومن الغيِّ إلى الرُّشد، ومن الهوى إلى الاتِّباع، ليحيوا حياة طيِّبة يأمَنُون فيها على أبدانهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم، فإنَّه لم يعد من سبيل إلى بقاء أمَّة من الأمم في الرِّيادة بل ولا في الوجود إذا لم ترجع إلى دينها الحنيف، وأخلاقها الفاضلة، وإنَّ من واجب الجميع ـ حكَّامًا ومحكومين ـ إحياء الفضائل، ونبذ كلِّ أنواع الرَّذائل؛ لأنَّ حبَّ الخير وبغض الشَّرِّ، سمة ظاهرة في الإسلام وأهله، لا تنفكُّ عن المجتمع المسلم أبدًا ما كانت الخيريَّة باقية فيهم، يقظة الأمَّة، والرُّقيّ بها منوط بالكلِّ، لا يتنصَّل من المساهمة فيه أحدٌ له نصيب وحظٌّ من الذَّوق الإيمانيِّ والوعي الدِّينيِّ، والحسِّ الأخويِّ.

والله الهادي إلى سواء السَّبيل والصِّراط السَّويِّ.



(1) رواه مسلم (2606).

(2) «حلية الأولياء» (3/70)، «روضة العقلاء» (ص179)، «مختصر منهاج القاصدين».

(3) «تفسير التَّحرير والتَّنوير» (29/68). بتصرف وزيادة.

(4) البخاري (6056) ومسلم (105)، واللفظ له.

(5) برقم (105).

(6) متفق عليه: البخاري (218) ومسلم (292).

(7) حديث حسن: رواه أحمد في «المسند» (17998)، وانظر: «صحيح الترغيب والترهيب» (2824).

(8) «فتاوى نور على الدرب»(468/12).

(9) سبق تخريجه.