أنت هنا:قضايا منهجية»لكل قوم وارث

لكل قوم وارث

  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 3364 مرة

 

إنَّنا في زمن خفق فيه صوتُ أهل الحقِّ إلاَّ قليلاً، وتعالت صاخبةً أصوات أصحاب الباطل من أهل الأهواء والبدع والضَّلالات، فعملت الألسنة السَّليطة والأقلام الحاقدة عملَها في الأمَّة، فقدحت في منهج أهلِ الحقِّ، أهلِ السُّنَّة والجماعة، أهلِ الحديث والأثر، وطعنت في القرون الثَّلاثة الأولى المفضَّلة، وفي دعوتهم المباركة، وخاضت فيها بالانتقاص والازدراء والتَّهجُّم والطَّعن والتَّنفير والتَّضليل والتَّلبيس، في حملة مسعورة، وحرب شعواء لم يسبق لها مثيل، في مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئيَّة، في الوقت الَّذي يُشَادُ فيه بالرَّافضة (الصَّفَوِيَّة) وبالطُّرقيَّة والمزارات الشِّركيَّة والأعياد البدعيَّة، حربًا يتولى تسعيرها العقلانيون ممَّن خرج من ضئضئ المعتزلة الأوَّلين، ومن مدرسة المستشرقين، وممَّن ينتسب زورًا إلى الدَّعوة الإسلاميَّة من الكتَّاب والأدباء والمفكِّرين!

ومن هؤلاء كاتبٌ - هداه الله - لم يكتب بعدل، ولا كما أمره الله أن يكتب، نطق من قريب في بعض الصُّحف عندنا بكلام خطير عظيم، يُنبئ عمَّا في نفسه من سوء قصده وخيانته لعموم المؤمنين، حيثُ طعن الجاني في القرون الثَّلاثة الأولى، وادَّعى زورًا وبهتانًا «أنَّ السَّلفيَّة بدعة مقدَّسة أوجدتها السُّلطة السِّياسيَّة»، وأنَّه «إذا كانت خاتمة الصَّحوة الإسلاميَّة كما يبدو سلفيَّة فقد خابت وخسرت وانتكست!»، كما جعل - في ظنِّه الخاطئ السَّقيم، وفكره المريض العقيم - للتَّصوُّر الفقهيِّ هيمنةً على الإسلام حتَّى غدَا منظومةً تشريعيَّةً ناشفة! على حدِّ تعبير هذا المتنكِّر.

كلُّ هذا في أسلوب أدبيٍّ يتشدَّق به، ولغةٍ معقَّدة ينتحلها لتمرير سموم يمكن تأويلها إذا اعتُرض عليه، والتَّباكي بأنَّ الرَّافض لأفكاره المنكوسة لا يرقى لفهم خطابه، فضلاً عن الاقتناع والعمل به! وكيفَ يُفهمُ كلامُ رجلٍ يعتبر الصُّوفيَّةَ وجوديَّةَ الإسلام! وأنَّ لبعض العبَّاد من الأولياء علاقة حميميَّة استثنائيَّة مع الله! والمتصوِّف الحقُّ في نظره هو الَّذي: «يقيم حياته على أساس منابذة الجماعة والخليفة والفقيه!»، وأنَّ الجماعة احتكرت الله على حساب الفرد! - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - جملة من الألفاظ حملت معاني الخزي والخذلان، في قالب أدبيٍّ، عهدنا نظائره من أقوام سابقين تشابهت قلوبهم فتطابقت ألسنتهم.

إنَّ ظاهرة التَّطيُّر بالسَّلفيِّين صارت «مُوضةَ» هذا القرن؛ إذ لا تكاد تخلو صحيفة من الصُّحف أو مجلَّة من المجلاَّت، من مختلف أنواع اللَّمز والهمز والسَّبِّ والشَّتم والتَّنقيص من علماء الأمَّة، وأئمَّتها - أئمَّة الهدى -!

فيا سبحان الله! فَلِعَمَى بصائر هؤلاء «اعتبروا مصادر الخير والهداية مصادر للشَّرِّ والغواية، كما تطيَّر أسلافهم بالأنبياء وأتباعهم»(1)، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:131]، وقال - جلَّ وعلا -: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78]، وغير ذلك من الآيات الدَّالَّة على مثل هذا الميراث الذَّميم.

إنَّ الله - جلَّ وعلا - قد حفظ هذا الدِّين الحنيف، وجعل كتابه مُهَيْمِنًا على غيره من الكتب، وحمَّله رجالاً عدولاً؛ فحملوه ووعوه وبلَّغوه كما سمعوه، وعلى رأس هؤلاء صحابة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رضي الله عنهم جميعًا، ثمَّ من تبعهم بإحسان.

إنَّ تقيُّد السَّلفيِّين بفهم السَّلف الصَّالح أهل القرون الثَّلاثة الأولى ليس مبنيًّا على اعتقاد منهم بقداسة هذه القرون في نفسها، أو بعصمة أفرادها، ولا - كما ظنَّ الكاتب - لمحاولة الأوَّلين إضفاء القداسة على تراثهم من خلال ما تركوه لنا من آثار، كلاَّ، وإنَّما يرجع التَّقيُّد بفهم السَّلف الصَّالح واتِّباعُهم عند جميع السَّلفيين بحقٍّ، إلى تقديسهم لنصوص الوحيين من الكتاب والسُّنَّة، النَّاطقة بصدق وعدل بوجوب الالتزام بفهم الأوَّلين من الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم بإحسان، ومن هذه النُّصوص:

• قول الله - جلَّ وعلا -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:100].

«صرَّح تعالى في هذه الآية الكريمة بأنَّ الَّذين اتَّبعوا السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار بإحسان، أنَّهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنَّات والفوز العظيم، ...وهو دليلٌ قرآني صريح في أن مَنْ يسبُّهم ويبغضهم أنَّه ضالٌّ مخالف لله - جلَّ وعلا - حيث أبغض مَنْ رضي الله عنه، ولا شكّ أنَّ بغض مَنْ رضي الله عنه مضادة له - جلَّ وعلا - وتمرُّد وطغيان»(2).

• وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15]، «وَالسَّلَفُ المؤمنُونَ مُنِيبُونَ أَيْ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِم»(3).

• إنَّه لا يمكن لأحد - مهما كان - أن يفهم الدِّين والسُّنَّة إلاَّ إذا اتَّبع سبيلهم ورجع إلى فهمهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115]، فمشاقَّة الرَّسول وحدها موجبة للعقاب وصليِ النَّار، لكنَّ الآية زادت: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا دليل على وجوب اتِّباع سبيلهم، وعلى أنَّ تركه موجب لصلي النَّار، فلا يستنكف عن اتِّباع السَّلف إلاَّ مَنْ كان في قلبه مرض وبدعة؛ إذ «أنَّ شِعَارَ أَهْلِ البدَعِ: هُوَ تَرْكُ انْتِحَالِ اتِّبَاعِ السَّلَفِ»(4).

• وقد أمرنا الله - عزَّ وجلَّ - أن نكون معهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:119]، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «مع محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه»(5)، وهل يعقل أن يكون هناك صادقون أعظم وأفضل من الصَّحابة وأهل القرون الثَّلاثة المشهود لهم بالخيريَّة!؟

• وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»(6).

فهذه تزكية من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأهل هذه القرون الثَّلاثة، وهي دليل على فضلهم وعلوِّ درجتهم، وبرهانٌ على علمهم وصلاح قلوبهم وأعمالهم، وحجَّةٌ على أنَّهم أحقُّ أن يُتَّبعوا ويُقتدى بهم.

قال الإمام المصلح ابن باديس - رحمه الله -: «الإسلام إنَّما هو في كتاب الله وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما كان عليه سلفُها من أهل القرون الثَّلاثة المشهود لهم بالخيريَّة على لسان الصَّادق المصدوق»(7).

إنَّ القرون الثَّلاثة الأولى هي خير مجتمع عرفته البشريَّة في الصَّلاح والاستقامة والعدل والإحسان، شهد بذلك المنصفون من المسلمين وغيرهم، وأثبت ذلك التَّاريخ الَّذي لم يتلوَّث بلوثة رافضيَّة، أو نزعة اعتزاليَّة، أو ثورة خارجيَّة، أو سفسطة عقلانيَّة، أو شطحات صوفيَّة!

إنَّه لا يصلح حال المسلمين ولا تقوم لهم قائمة ولا تجتمع لهم كلمة إلاَّ بالرُّجوع إلى هذا الدِّين، وفْقَ فَهْمِ القرون المشهود لها بالخيريَّة، وبخاصَّة قرن الصَّحابة - رضي الله عنهم -، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ...»(8).

قال الإمام مالك - رحمه الله - في كلمته المشهورة: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ ما أصلح أولها».

وبعد هذا كلِّه، كيف يُنكَرُ على مَنْ يتمسَّك بما كان عليه السَّلف وعلى رأسهم أهل القرون المفضَّلة، مع أنَّه متمسِّك بحبلٍ متين وآوٍ إلى ركن شديد!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «لا عيْبَ على مَنْ أَظْهَرَ مذهبَ السَّلَفِ وَانتسبَ إليه واعتَزَى إليه، بل يَجِبُ قَبُولُ ذلك منه بالاتِّفَاقِ؛ فإنَّ مذهبَ السَّلَفِ لاَ يَكُونُ إلاَّ حَقًّا»(9).

وصدق عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - حيث قال: «فَارْضَ لنفسِك ما رَضِيَ به القوم لأنفسهم، فإنَّهم السَّابقون وإنَّهم عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وببصرٍ نَافذٍ كفُّوا»(10).

نسأل الله - جلَّ وعلا - السَّلامةَ والعافيةَ؛ فإنَّه لم يُؤتَ أحدٌ قطُّ بعدَ اليقين أفضلَ منهما، كما نسأله تعالى الهداية والتَّوفيق لِما يحبُّ ويرضى، فإنَّ الهدايةَ هبةٌ ربَّانيَّةٌ يختصُّ الله تعالى بها مَن يشاء من عباده، فضلاً منه ونعمةً، وهو العليم الحكيم، ذو الفضل العظيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.


 


(1)  - «البيان لأخطاء بعض الكتَّاب» (2/ 21) للشَّيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -.

(2)  - «أضواء البيان» (2/ 148).

(3)  - «مجموع الفتاوى» (20/ 500).

(4)  - «مجموع الفتاوى» (4/ 155).

(5)  - رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (10097).

(6)  - رواه البخاري (2652) ومسلم (2533).

(7)  - «الآثار» (5/ 73).

(8)  - حديث صحيح رواه أحمد (17145)، وعنه أبو داود (4607).

(9)  - «مجموع الفتاوى» (4/ 149).

(10)  - رواه ابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (30 – 31).

 

* منقول من (مجلة «الإصلاح» العدد 23)