أنت هنا:قضايا منهجية»منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الإصلاح الديني (الحلقة الرابعة)

منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الإصلاح الديني (الحلقة الرابعة)

  • سليم مجوبي
تم قراءة المقال 3942 مرة

 

«ها هنا معاقد الفخار لجمعيّة العلماء، وها هنا معارج الصعود إلى التي لا فوقها، وها هنا تنمحي الغضاضة من المدح، فيكون تقريرا من الحقيقة لنفسها، لا مدحًا من مادح...

إنّ الشّعب الجزائري... عَدَت عليه عوادي الدهر، فنسِي مجد العروبة، ولكنّه لم يَنْسَ أُبوَّتها، وابتلاه الاستعمار - عن قصد - بالبلبلة؛ فانحرفت فيه الحروف عن مخارجها إلا الضّاد، ولم يَبق من العروبة مع هذا وذاك إلا سماتٌ وشمائل، ولا من العربيّة إلا آيات ومخائل.

وجاءت جمعيّة العلماء، على عُبوس من الدهر(1)، وتنكُّر من الأقوياء، فنفخت من روح العروبة في تلك الأنساب؛ فإذا هي صريحة، وسكبت من سرِّ البيان العربي في تلك الألسنة؛ فإذا هي فصيحة، وأجالت الأقلام في كشف تلك الكنوز فإذا هي ناصعة بيضاء، لم يزدها تقادُم الزمان إلا جِدة...»(2).

لقد عمِل الاستعمار الفرنسي بكلِّ ما أوتي من قوَّة على طمس اللغة العربية في الجزائر، ومحوِ كلِّ ما هو عربيّ، وسنَّ في ذلك القوانين(3)، وأجبر التعليم بالفرنسية، وجعلها لغة رسميّة، وضايق مدارس العربيّة ومعلِّميها.

ولقد فطِنت جمعيّة العلماء لمكائد الاستعمار؛ فعمِلت على إفشالها، وذلك بإحياء التعليم العربي وبثِّه في صفوف الناشئة، ونشره في كتاتيب القرآن، وإنشاء المدارس العربية الحرَّة التي لا تتبع للإدارة الاستعمارية، فقطعت في ذلك شوطًا رغم العراقيل والمعوِّقات.

كما شجَّعت الكُتّاب والمثقَّفين والمتعلِّمين على كتابة المقالات وإنشاء القصائدونشرها في جرائد الجمعيّة، ولم تستسلم لِتهديدات الاستعمار وعقوباته وقوانينه الجائرة.

قال ابن باديس: «قد فهِمنا - والله - ما يراد بنا، وإنّنا نُعلن لخصوم الإسلام والعربية أنّنا عقدنا على المقاومة عزمَنا، وسنمضي - بعون الله - في تعليم دِيننا ولُغتنا، رغم كلِّ ما يصيبنا، ولن يصدَّنا عن ذلك شيء، فنكونَ قد شاركنا في قتلهما بأيدينا. وإنّنا على يقين من أنّ العاقبة - وإن طال البلاء - لنا، وأنّ النصر سيكون حليفَنا، لأنّنا قد عرَفنا – إيمانا - وشاهدنا – عيانا - أنّ الإسلام والعربية قضى الله بخلودهما، ولو اجتمع الخصوم كلُّهم على محاربتهما»(4).

«وقد أشرفت هذه اللغة الشريفة على الاضمحلال بهذه الدِّيار لولا أن تداركتها جمعيّة العلماء وأخذت بيدها وانتشلتها من الحضيض الذي وصلت إليه، فاستعادت على يدها شبابَها، ووصلت بسبب الدِّين الحنيف أسبابَها، وأصبحت الجزائر في مدَّة قليلة تُفاخر أمصار العربيّة الكبرى ومنابتها الأصليّة، بأدبها وكُتّابها وشعرائها وخطبائها»(5).

بل لقد كان إحياء اللغة العربية من أهمّ ما أُسِّست له جمعيّة العلماء.

يقول الإبراهيمي: «إنّ جمعيّتكم هذه أُسِّست لغايتين شريفتين، لهما في قلب كلِّ عربي مسلم بهذا الوطن مكانةٌ لا تساويهما مكانة، وهما: إحياء مجد الدِّين الإسلاميّ وإحياء مجد اللغة العربيّة»(6).

إنّ اللغة من أهمِّ مقوِّمات الأمم وعناصر شخصيَّتها وأسباب عزِّها.

قال الإبراهيمي: «إنّ اللغة هي المقوِّم الأكبر من مقوِّمات الاجتماع البشريّ وما من أمَّة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها، واستتبع ضياعَ اللغة ضياعُ المقوِّمات الأخرى»(7).

وتمتاز اللغة العربية عن غيرها بأنَّها لغة الدِّين، لغة القرآن والسنّة، لغة العلوم الدينية والدنيوية - قبل أن يهجُرها أهلها ويَعقُّوها – لذلك؛ فإنّ إحياءها إحياءٌ للدِّين في نفوس أهله، وبيانَها بيانٌ لمحاسنه.

قال ابن باديس: «... لا بقاء للإسلام إلا بتعليم عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه، ولا تعليم له إلا بتعليم لُغته...»(8).

وقال الإبراهيمي - مبيِّنا فضل اللغة العربية -: «لُغة الأمَّة هي ترجمان أفكارها،وخزانة أسرارها، والأمَّة الجزائرية ترى في اللغة العربية - زيادة على ذلك القدر المشترك - أنّها حافظةُ دِينها ومصحِّحة عقائدها ومدوِّنة أحكامها، وأنَّها صِلة بينها وبين ربِّها تدعوه بها وتعترف، وتبوء بها إليه فيما تقترف، وتؤدِّي بها حقوقه، فهي لذلك تشدُّ عليها يد الضنانة(9)، وما تودُّ أنّ لها بها لُغات الدنيا وإن زخرت بالآداب وفاضت بالمعارف، وسهَّلت سُبل الحياة، وكشفت عن مكنونات العلم(10)، فإن أخذت بشيء من تلك اللغات فذلك وسيلةٌ إلى الكمال في أسباب الحياة الدنيا، أمّا الكمال الروحانيّ والتمام الإنسانيّ؛ فإنَّها لا تنشده ولا تجِده إلا في لُغتها التي تكوَّن منها تسلسلها الفكريُّ والعقليّ، وهي لُغة العرب؛ ذلك لأنّ لغة العرب قطعةٌ من وجود العرب وميزة من مميِّزات العرب، ومرآة لعصورهم الطافحة بالمجد والعلم والبطولة والسيادة، فإذا حافَظ الزِّنجي على رطانته(11) ولم يَبغِ بها بديلا، وحافظ الصيني على زمزمته فلم يرضَ عنها تحويلا؛ فالعربيُّ أولى بذلك وأحقّ؛ لأنَّ لُغته تجمع من خصائص البيان ما لا يوجد جزءٌ منه في لغة الزِّنج أو لغة الصين، ولأنَّ لُغته كانت - في وقت ما - لسان معارف البشر، وكانت - في زمن ما - ترجمان حضاراتهم، وكانت - في وقت ما - ناقلةَ فلسفات الشرق وفنونه إلى الغرب، وكانت - في وقت ما - هادية العقل الغربيِّ الضالّ إلى موارد الحكمة في الشرق، وكانت - في جميع الأوقات - مستودع آداب الشرق وملتقى قياداته الفكريّة.

وما زالت صالحة لذلك، لولا غبارٌ من الإهمال علاها، وعاقٌّ من الأبناء قلاها(12)، وضيمٌ(13) من لُغات الأقوياء المفروضة دخل عليها، وهي - قبلَ وبعدَ كلِّ شيء - حاضنةُ الإسلام ودليلُه إلى العقول ورائده إلى الأفكار، دخلت به إلى الهند والصين، وقطعت به البحار والفلوات، وفيها مِن عناصر البقاء ومؤهِّلات الخلود ما يرشِّحها للسيطرة والتمكُّن، فقد احتوشتها(14) الرطانات من كلِّ جانب، ودخلت عليها دخائل العُجمة واللّكنة، فما نال كلُّ ذلك منها نيلا؛ وإنّ لغةً يصيبها أقلُّ ممَّا أصاب اللغة العربية من عقوق أبنائها وحرب أعدائها لَحقيقةٌ بالاندثار والفناء، ولكنَّها لُغة العرب...»(15).

ويقول أيضا: «وأمّا إحياء مجد اللسان العربي، فلأنّه لسان هذا الدِّين والمترجِم عن أسراره ومكنوناته، لأنَّه لسان القرآن الذي هو مستودع الهداية الإلهية العامَّة للبشر كلِّهم، لأنَّه لسان محمّد بن عبد الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صفوة الله من خلقه، والمثل الأعلى لهذا النوع الإنسانيِّ الذي هو أشرف مخلوقات الله، ولأنّه لسان تاريخ هذا الدِّينومُجلِّي مواقع العِبَر منه، ولأنّه - قبل ذلك وبعد ذلك - لسان أمَّة شغلت حيِّزا من التاريخبفطرتها وآدابها وأخلاقها وحكمها وأطوارها...»(16).

لقد تذرعت الجمعية بكل ما أوتيت من وسائل للحفاظ على اللغة العربية في الجزائر، بدءً من دروس محو الأمِّية، إلى تحفيظ القرآن في الكتاتيب، إلى تدريس علوم اللُّغة في مدارسها، إلى إلقاء المحاضرات والندوات وأسمار الأدب والشعر.

ولقد كان لهذا الجهد ثماره الظاهرة على العامَّة، كما يخبر عن ذلك الإبراهيمي بقوله: «إنَّ هذه الطبقات العامية التي تواظب على سماع الدروس والمحاضرات قد أصبحت تفهم العربيَّة الفصحى حقَّ الفهم بتأثير الممارسة والمران...

ولقد بدأتُ دروسي ومحاضراتي في تلمسان بالعربيَّة الفصحى وأخذتُ نفسي بذلك أخذًا أصِل به إلى درجة الإغراب أحيانا، وكان لي من وراء ذلك الالتزام غرضان:

أحدهما: إقامة الدليل للمتعلِّمين باللُّغات الأجنبيَّة على أنَّ الفصحى لا تعيا على حمل المعاني مهما تنوَّعت وعلت، وأنَّها تبُذُّ (17) اللغات في ميدان التعبير عن الحقائق والخيالات والخواطر والتصوُّرات، وقد بلغتُ من هذا الغرض ما أريد.

والغرض الثاني: أن أُحدث في نفوس العامَّة المحبِّين للعلم والدِّين أسفا يقضُّ مضاجعهم، فيدُعُّهم إلى تدارك ما فاتهم منها في أبنائهم.

... ومازلنا على هذا حتى فعل الِمران فعلَه، وأصبحوا يفهمون ويذوقون ويخرجون وهم يتدارسون.

وقد رجعتُ إلى العامِّية في بعض الدروس فاستهجنوها، ونَبَتْ عنها أذواقهم، وإنِّي لا أدري لماذا لا نعجب للعامي يتعلَّم الفرنسية بالسماع، ونعجب – بل لا نكاد نصدق – له أن يتعلَّم العربيَّة بالسَّماع، مع أنَّ العربيَّة أقرب إلى عامِّيته وفطرته وروحه ...»(18).

وقال ابن باديس: «حُوربت فيكم العُروبة حتى ظُنّ أن قد مات منكم عِرْقُها، ومُسخ فيكم نُطقُها، فجئتم بعد قرن، تَصْدَحُ بلابِلُكم بأشعارها، فتثير الشعور والمشاعر، وتهدر خطباؤُكم بشقاشقها، فتدكُّ الحصونَ والمعاقلَ، ويهز كتَّابكم أقلامَها، فتصيب الكِلَى والمفاصل»(19).

«هذا بعض ما قدَّمته جمعيّة العلماء للعروبة من صنائع لهذا الوطن، تفخر به في غير منّ، وتجود به من غير ضنّ، ولولا الحياء لقالت أكثر من ذلك ولَتَحَدَّتْ كلَّ العاملين في الشرق العربيِّ لرفعة العربية وإعلاء شأنها بين اللغات بأنّها عمِلت لها أكثر ممَّا عمِلوا؛ عمِلوا لها وهم أحرار آمنون، في بلدٍ لسانُه وجنسُه عربيّان وحاكِمُه ومحكومُه عربيّان، وعمِلنا لها تحت تأثير زمجرة الاستعمار ودمدمة أنصاره، وأنقذناها من بين أنيابه وأظفاره»(20).

 

 


(1) هذه العبارة وإن كانت وصفا لا سبًّا؛ فالأولى عدم استعمالها لأن فيها إشعارا بالذم، وقد جاء عند البخاري (4826) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِيَ الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ».

(2) «آثار الإبراهيمي» (3/57).

(3) ومن ذلك ما عُرف بقانون «8 مارس» الذي يحظر على المعلِّمين إلقاء الدروس أو إنشاء المدارس، أو النوادي أو الوعظ في المساجد إلا برخصة، وإلا غُرِّم المخالف وسُجن، والمقصود به طبعا علماء الجمعية. أمّا الطرقيون فقد أيّدوا هذا القانون. انظر: «آثار ابن باديس» (4/126) و(6/312).

(4) «آثار ابن باديس» (4/128).

(5) «آثار الإبراهيمي» (1/286).

(6) «آثار الإبراهيمي» (1/133).

(7) «المصدر السابق» (1/134).

(8) «آثار ابن باديس» (4/126) بتصرف يسير.

(9) الضنانة: البخل. «لسان العرب» (4/2614).

(10) وهذا بعد أن أضاع أهل العربية لغتهم التي كانت فيما سبق لغة العلوم التي استفاد منها غيرهم واعترف بذلك المنصفون منهم.

(11) الرطانة: لغة الأعاجم أيّا كانت.

(12) قلاها: أبغضها وهجرها. انظر «لسان العرب» (5/3731).

(13) الضيم: الظّلم. «لسان العرب» (4/2629).

(14) احتوشتها: أحاطت بها، من قولهم: احتوش القوم فلانا: جعلوه وسطهم. انظر «لسان العرب» (2/1049).

(15) «آثار الإبراهيمي» (3/281-282).

(16) «المصدر السابق» (1/134).

(17) بذَّ القوم يبذُّهم بذًّا: سبقهم وغلبهم. «لسان العرب» (بذذ).

(18) «آثار الإبراهيمي» (1/149).

(19) «جريدة البصائر» (ع 83/ص1).

(20) «آثار الإبراهيمي» (3/58).