أنت هنا:قضايا منهجية»تنبيه الألبَّاء إلى طريق معرفة العلماء

تنبيه الألبَّاء إلى طريق معرفة العلماء

  • حسن أيت علجت
تم قراءة المقال 4206 مرة

 

اِعْلَمْ أخِي المسْلِمَ ـ عَلَّمَنِي اللهُ وإيَّاكَ ـ أنَّ هذه المسألةَ ـ أَيْ: طَرِيقَ مَعْرِفَةِ العُلَمَاءِ ـ، مِنْ عُيُون المَسَائِلِ المُتَعلِّقَة بمَنْهَج العِلْمِ، والعَمَل، والدَّعْوَةِ، وهذا لِسَبَبَيْن:

أوَّلُهُما: أنّ العُلَمَاءَ هُمْ رأسُ الفِرْقةِ النَّاجية، والطائفَةِ الظَّاهرة المنصورة(1).

والطَّائِفَةُُ المنْصُورَةُ هي المذْكُورةُ في حَدِيثِ الصَّحيحيْنِ وغيْرِهِما عن مُعَاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيانَ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ».

وَلاَ غَرْوَ أنْ يَكُونَ العُلَمَاءُ كذلك؛ إذْ هُم أَقْوَمُ النَّاس بأمْرِ اللهِ جل وعلا، وأعْلَمُهُم بهِ، كَمَا أنَّهُم مَنْصُورُون ظَاهِرُون بالحُجَّة والبَيَان.

لهذا قَالَ الإِمَامُ البُخاريُّ : في «صحيحه» مُتَرْجِماً للحديث الآنِفِ الذِّكْرِ: «بابُ قوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهِرِينَ على الحَقِّ» وهُمْ: أهلُ العِلْمِ»(2).

ولا مُنافاةَ بيْنَ هذا التَّفْسير، ومَنْ فسَّرَها بأنَّهم أهْلُ الحَدِيثِ، كالإمامِ أحْمَدَ، وشيْخِه يزيدَ بْنِ هارونَ، وعليِّ بْنِ المَدِينِيِّ شيْخِ الإمامِ البخاري(3)، وغَيْرهِم؛«لأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُم أهْلُ الحديثِ، وكُلَّما كانَ المرْءُ أعْلَمَ بالحديثِ، كانَ أعْلَمَ في العِلْمِ مِمَّنْ هو دُونَهُ في الحَدِيثِ، كما لا يخْفَى»(4).

والمقْصُودُ بأهْلِ الحَدِيثِ هُمُ المُشْتَغِلُونَ ِبِه رِوَايَةً ودِرَايَةً ورِعَايَةً، فهُمْ مُعْتَنُونَ بالتَّمْييز بَيْنَ صَحِيحِهِ وسَقِيمِهِ، ويَتَفَقَّهُونَ في مَعَانِيهِ، ويَحْرِصُون على اتِّبَاعِه واسْتِعِْمَالِهِ في جَمِيعِ أُمُورِهِم.

ويُلْحَقُ بِهِمْ ـ أيْضًا ـ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُم مِنَ المُتَفَقِّهِين على طَرِيقَتِهِم، المُتَّبِعِين للسُّنَّة، والمُعَظِّمِين للآثَارِ.

وأمَّا الفِرْقَةُ النَّاجيةُ فهي المذْكُورةُ في حديثِ معاويَةَ رضي الله عنه ـ أيْضًا ـ عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَلاَ إنَّ مَنْ قَبْلَكُم مِنْ أهْلِ الكِتابِ افْتَرَقوا على ثِنْتَيْنِ وسبعين مِلَّةً، وإنَّ هذه المِلَّةَ ستَفْتَرِقُ على ثلاثٍ وسَبْعينَ: ثِنْتَانِ وسَبعون في النَّار، وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، وهي الجماعة»(5).

ومِن تَفَاسيرِ أهْلِ العِلْمِ لمعْنَى الجماعة، أنَّها جماعَةُ أَئِمَّةِ العُلَمَاءِ المجْتَهِدِين، وقد نَقَلَ الإمامُ الشاطبي : في «الاعتصام» (ص449) هذا القوْلَ عن عبْدِ اللهِ بْنِ المبارك، وإسحاقَ بنِ راهَوَيْه، وهو ـ أيْضًا ـ قوْلُ الإمام البُخَاريِّ(6)، والإمامِ التِّرْمِذي(7).

فَالْزَمْ أيُّهَا المُسْلِمُ غَرْزَ أهْلِ العِلْمِ؛ تَكُنْ مَنْصُورًا في الدُّّنْيا، ونَاجِيًا في الآخِرَةِ بإِذْن الله تعالى.

من أجْلِ هذا كُلِّه؛ كان مِنْ عقَائِد المسْلِمِين ما قَرَّرَهُ الإمامُ الطَّحاويُّ في عَقِيدَتِهِ المشْهُورَةِ أَنَّ: «عُلَماءَ السَّلَف مِنَ السَّابِقِين، ومَنْ بَعْدَهُم من التّابِعِينَ: أهْلَ الخَيْرِ والأَثَرِ، وأهْلَ الفِقهِْ والنَّظَرِ، لا يُذْكَرونَ إلاَّ بالجَمِيلِ، ومَنْ ذَكَرَهُم بِسُوءٍ فَهُوَ على غَيْرِ السَّبيلِ».

فإذَا رأََيْتَ ـ يا أُخَيَّ ـ أحَدًا يَذْكُرُ أئِمََّةَ السُّنَّةِ وعُلَمَاءَهَا بِسُوءٍ؛ فاعْلَمْ أنَّه على غَيْرِ الجَادَّة، وحَائِدٌ عن السَّبيلِ، وسَلْ رَبَّكَ العافِيَةَ.

وإضَافَةً إلى هذا، فإنَّ أَوَّلَ انحرافٍ وَقَعَ في الإسْلاَمِ كان سبَبُهُ تنكُّبَ سبيلِ أهْلِ العِلْمِ، والطَّعْنَ فيهم، ومُشَاقَّتِهِم؛ وكان أصْلُ ذلك ما ثَبَتَ في «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ أنَّ رأْسَ الخوارج ذا الخوَيْصِرَة التَّمِيمِيَّ انْتَقَدَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ سيِّدَ العُلَماءِ وإِمَامَهُم ـ، واعْتَرَضَ عليْه في قِسْمَتِهِ لغَنَائِم غَزوة حُنَيْنٍ، واتَّهمه بالظُّلم والجَوْر.

ثُمَّ جَاءَ أفْرَاخُهُ ـ مِنْ بَعْدِه ـ الَّذِين خَرَجُوا من ضِئْضِئهِ(8)، فخَرَجوا على الصَّحَابَة رضي الله عنهم ـ وهُمْ سَادَةُ العُلَمَاء آنَذَاك ـ ، وكانَ ذَلِكَ في خِلاَفَةِ عليِّ ابنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، فناظَرَهُم عبْدُ اللهِ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه، فَرَجَعَ مِنْهُم مَنْ رَجَعَ، وتَنَكَّبَ البَاقُون سَبِيلَ العُلَمَاءِ؛ فهَلَكُوا في سَبيلِ مَنْ هَلَكَ(9).

وكَذَلِك مَنْ تَأمّلَ في فِتَنِ هذا العَصْرِ، وَجَدَ أنّ غالِبَها سبَبُهُ مُجَانَبَةُ العُلَمَاء، والانْحِرَافُ عنْهُم، وعَدَمُ الرُّجوعِ إليْهِم في كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِل الدَّعْوَة والجِهَاد، وما يَتْبَعُ ذلك من أُمُور السِّيَاسة والتَّعامُلِ مع الحُكَّام.

بَلْ بَلَغَ الأمْرُ بِبَعَضِ أفْرَاخِ الخَوَارِِج إلى اتِّهَامِ العُلَمَاءِ النَّاصِحِينَ بالعَمَالَة والإرْجَاءِ، وغيْرِها من التُّهَمِ الجَائِرَةِ الآثِمَةِ، واللهُ المَوْعِدُ.

***

السَّبَبُ الثّاني: أنَّ الزَّلَلَ في هذه المسْأَلَةِ، يَنْجُمُ عَنْهُ الخَلَلُ في الدِّين بالابْتِدَاع فِيه، والخَطَلُ في الشَّرع بالتَزَيُّد عليْه؛ فيَقَعُ عِنْدَ ذلك التفرُّقُ والاختلافُ؛ لأنَّ البِدْعَةَ مَقْرُونَةٌ بالفُرْقَةِ، والسُّنَّةَ مَقْرُونَةٌ بالجَمَاعَةِ، كما قال شيخُ الإسلام ابن تيمية : في «الاستقامة» (1/42).

وقَدْ نَبَّهَ على هذا الأَمْرِ الإمامُ الشَّاطبيُّ  : في كتابه العظيم «الاعتصام» (396 ـ 397)، وهذا في مَعْرِضِ ذِكْرِهِ لأسْبَابِ الابْتِدَاعِ في الدِّين والاخْتِلاف فيه، فقال: «أَحَدُها: أنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ في نَفْسِه، أوْ يُعْتَقَدَ فيه أنَّه مِنْ أهْلِ العِلْمِ والاجْتِهَادِ في الدِّينِ ـ ولَمْ يَبْلُغْ تِلْكَ الدَّرَجَةَ ـ؛ فَيُعْمَلَ على ذلك، ويُعَدَّ رأْيُهُ رَأْياً، وخِلافُهُ خِلافاً، ولَكِنْ تَارَةً يَكُونُ ذلك في جُزْئِيٍّ وفَرْعٍ من الفُرُوعِ، وتارَةً في كُلِّيٍّ وأَصْلٍ مِنَ أُصول الدِّين ـ كان مِنَ الأُصُول الاعتقاديَّة أوْ مِنَ الأُصول العَمَليَّة ـ؛ فتَراهُ آخِذاً بِبَعْض جُزئيَّاتِ الشَّريعةِ في هَدْمِ كُلِّياتِها، حتّى يُصَيِّرَ مِنْها ما ظَهَرَ لَهُ بَادِيَ رَأْيِهِ مِن غَيْرِ إِحاطَةٍ بمَعَانيها، ولا رُسُوخٍ في فَهْمِ مَقاصِدِها.

وهذا هو المُبْتَدِعُ؛ وعَلَيْهِ نَبَّهَ الحَدِيثُ الصَّحيحُ أنَّه صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا يَقْبِضُ اللهُ العِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ من النَّاس، ولكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلمَاءِ، حتّى إذا لَمْ يَبْقَ عالِمٌ؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوساً جُهَّالاً، فسُئِلوا، فأَفْتَوْا بغَيْر عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا»(10).

قال بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: تَقْدِيرُ هذا الحَدِيثِ يَدُلُّ على أنَّهُ لا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ عُلَمائِهِم، وإنَّما يُؤْتَوْنَ مِنْ قِبَلِ أنَّه إذا ماتَ عُلَمَاؤُهُم، أَفْتى مَنْ ليْسَ بِعَالِمٍ؛ فَيُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِه.

وقد صُرِّفَ هذا المعْنَى تَصْريفاً فَقِيلَ: ما خَانَ أمِينٌ قَطُّ، ولكِنِ اِئْتُمِنَ غَيْرُ أَمِينٍ فخانَ.

قال: ونَحْنُ نقولُ: ما ابْتَدَعَ عَالِمٌ قَطُّ، ولكن استُفْتِيَ مَنْ ليس بعالِمٍ» اهـ .

مِنْ أَجْلِ هذا وذاك، تَعَيَّنَ على كُلّ مُسْلِمٍ مَعْرِفَةُ السَّبيلِ الّذي يُعْرَفُ به العالِِمُ، ويُمَيَّزُ به عن غَيْرِه.

وبَيَانًا لهذا الأمْرِ يُقَالُ: إنَّهُ مِمَّا تقرَّرَ عِنْدَ أهل العِلْمِ أنَّ العالِمَ لا يُعْرَفُ إلاَّ بشَهادَة العُلَماءِ له بالعِلْمِ؛ لهذا قال الإمامُ الشَّاطبيُّ : في «الاعتصام» (ص431): «والعالِمُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ لهُ العُلَمَاءُ، فهو في الحُكْمِ بَاقٍ في الأَصْلِ مِنْ عَدَمِ العِلْمِ، حتَّى يَشْهَدَ فيه غَيْرُه، ويَعْلَمَ هو من نَفْسِهِ ما شُهِدَ لهُ بِهِ، وإلاَّ فهو على يَقينٍ مِنْ عَدَمِ العِلْمِ، أوْ على شَكٍّ؛ فاخْتِيَارُ الإِقْدَامِ في هاتَيْن الحَالَتَيْنِ على الإِحْجَامِ، لا يَكُونُ إلاّ بِاتِّبَاعِ الهَوَى؛ إذْ كان ينْبَغي له أنْ يَسْتَفْتِيَ في نَفْسِهِ غَيْرَهُ، ولَمْ يَفعَلْ، وكان مِنْ حَقِّهِ أنْ لا يُقْدِمَ إلاَّ أنْ يُقَدِّمَهُ غَيْرُهُ ولَمْ يَفْعَلْ هَذَا»اهـ.

قال العَلاَّمَةُ الألبانيُّ : مُعَلِّقًا على هذا الكلام في «السلسلة الصحيحة» (2/713): «هذه نَصِيحَةُ الإمَاِم الشَّاطِِبِي إلى «العالِمِ» الذي بإِمْكَانِه أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النَّاسِ بِشَيْءٍ من العِلْمِ، يَنْصَحُهُ أنْ لا يَتَقَدَّمَ حتَّى يَشْهَدَ له العُلَماءُ؛ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ من أهل الأَهْواء، فماذا كان يَنصَحُ يا تُرى لو رَأَى بعْضَ هؤلاء المُتَعَلِّقينَ بهذا العِلْمِ في زمَنِنَا هذا؟ لاشكَّ أنَّه كان يَقُولُ لَهُ: «لَيْسَ هذا عُشَّكِ؛ فَادْرُجِي»، فهَلْ مِنْ مُعْتَبِرٍ؟!

وإنّي ـ والله ـ لأَخْشَى على هذا البَعْضِ، أنْ يَشْمَلَهُم قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «يُنْزَعُ عُقُولُ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، ويُخْلَفُ لَهَا هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسَبُ أَكْثَرُهُم أَنَّهُم على شَيْءٍ، ولَيْسُوا على شيْءٍ» (11)». اهـ.

هذا؛ وقَدْ جَاءَتْ جُمْلَةٌ من الآثار السَّلَفيّة تُؤَيِّدُ هذا المَنْحَى، وتُعَضِّدُ هَذَا المَعْنَى: مِنْهَا ما ذُكِرَ عن الإمام مَالكٍ : أنّه قال: «لا ينْبَغِي لِرَجُلٍ أنْ يَرَى نَفْسَهُ أهْلاً لشَيْءٍ، حتّى يسْأَلَ مَنْ كان أعْلَمَ مِنْهُ؛ ومَا أفْتَيْتُ حتّى سَأَلْتُ ربيعَةَ، ويَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، فأَمَرَانِي بذلك، ولَوْ نَهَيَاني لانتهَيْتُ» اهـ(12).

وقال أيضا: «ما أَفْتَيْتُ حتَّى شَهِدَ لي سَبْعُون أنِّي أهْلٌ لذلك» اهـ.

إذا تقَرَّرَ هذا فإنّ هذه الشَّهادَةَ مِنْ أهْلِ العلم لها حالتان(13):

أُولاَهُما: أنْ تَكُونَ عَنْ طَرِيقِ شَهَادَةِ عالِمٍ لِتِلْمِيذِه، وهذا ما يُسَمَّى بالإِجَازة، فَيُوَرِّثُ العالِمُ تلميذَهُ عِلْمَه، ثُمَّ إذا رآهُ أهْلاً لتَصَدُّرِ التَّدريس والإفْتَاِء أجَاَزه، وأذِنَ له بذلك.

غَيْرَ أنَّه يَنْبَغِي أنْ يُرَاعَى دِقَّةُ التَّعْبِير في هذه الإجَازَاتِ، فإنَّ تزْكيَةَ امْرِئٍ بالتَّقوى لا تُغْنِيه كَبِيرَ شَيْءٍ في التَّبْليغ، كَمَا أنَّ تزْكيَتَه بالعِلْم عُمُومًا وبإجْمَالٍ لا تُخَوِّلُ له الفتوى في النَّوازل التي هي من اخْتِصَاصِ الأئِمَّةِ المجْتَهِدِين المُتَبَحرِّينَ في علوم الشَّريعة.

الحالة الثانية: أنْ يَشهَدَ العُلَماءُ بالعِلْمِ لِعَالِمٍ ما، بالنَّظَرِ في فتاويه ومُصنَّفاتِه، أو بسَماعِ دُرُوسِه ومُحَاضراتِه.

ومن هذا ما ذَكَرَهُ الإمامُ الذَّهَبِيُّ  في «سير أعلام النبلاء» (24/17 ـ 26) عَنِ الحافظ أبي طاهِرٍ السِّلَفِيِّ أنَّه قال في أبي سليمانَ الخَطَّابيِّ: «وأمّا أبو سُلَيْمَانَ، الشَّارِحُ لكتابِ أبي داودَ، فإذا وَقَفَ مُنْصِفٌ على مُصَنَّفَاتِه، واطَّلَعَ على بَدِيعِ تصرُّفاتِه في مُؤَلَّفاته، تحقَّقَ إِمامَتَه، ودِيَانَتَه فِيمَا يُورِدُهُ، وأمَانَتَه»اهـ.

تَنْبِيهٌ لِكُلِّ نَبِيهٍ:

من الأُمُور الَّتِي حدَثَتْْ في هذا العَصْرِ ـ وهي مِنْ عَجَائِبِه ـ أنَّ بعْضَ العامَّةِ، وأشْبَاهَهُم مِنْ صِغَاِر الطَّلَبَةِ، يَعْمِدُونَ إلى شَخْصٍ لَمْ يُؤْتَ مٍنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً، وحقيقةُ أمْرِهِ أنَّهُ أعْوَرُ بَيْنَ عُمْيَانٍ؛ فيُنَصِّبُونَه عَالِمًا!

والرَّزِيَّةُ الكُبْرى، والبليَّةُ العُظْمَى أنْ يَغْتَرَّ ذلك المِسْكِينُ بِهِمْ، فَيَغْدُوَ كَمَا قال سبحانه: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا[النور:39].

وقد ذَكَرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية : في «منهاج السنة» (5/129) عن بعْضِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّهُ قال: «العَامَّةُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَمَى!»اهـ.

وقَرِيبٌ مِنْ هذا قَوْلُ الإمام ابْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ في «روضة النَّاظر» (ص 136): « وَلأَنَّ العَامِّيَّ ليْسَ لَهُ آلَةُ هذَا الشَّأْنِ، فهو كالصَّبِيِّ في نُقْصَانِ الآلَةِ» اهـ.

الحَاصِلُ أنَّ العِلْمَ حَبْلٌ مَوْصُولٌ، أَصْلُهُ ربُّ العالمين ـ سبحانه وتعالى ـ الذي من أسْمَائِهِ الحُسْنَى: العَلِيمُ، والذي أحَاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلْماً.

ثُمَّ إنّ الله عز وجل وعلا اصْطَفَى من النّاس رُسُلاً زّكَّاهُم، وآتاهُم من لدُنْه عِلْمًا، كما قال جلَّ مِنْ قائِلٍ: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِير﴾[الحج:75].

ثُمَّ جَعَلَ اللهُ عز وجل لهَؤلاء الرُّسُل ﻹ أصْحَابًا وحَوَارِيّينَ حَمَلوا عِلْمَهُم، وثَبَتَتْ عَدالَتُهُم وتزكيَتُهم بالإجْمَالِ والتَّفْصِيل مِنَ الرَّبِّ الجليل، ومِنْ هؤلاء الرُّسُلِ أنْفُسِهِم؛ كما قال اللهُ عز وجل مُخاطِبًا أصحابَ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم أصالةً وسائرَ أمَّته بالتَّبَع: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[آل عمران:110]؛ ووَصْفُهُم بالخَيْرِيَّة يتَضَمَّنُ كَمَالَ عُلُومِهمْ، وأعْمَالِهِمْ كَمَا لا يَخْفَى عَلَى لَبِيبٍ.

كما جاءَ ـ أيْضًا ـ عَنْ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم تَزْكِيَةُ طَائِفَةٍ مِنْ صَحَابَتِه رضي الله عنهم، وشهادَتُهُ لهم بالعِلْمِ، كقوْله صلى الله عليه وسلم لأُبيِّ بن كعْبٍ رضي الله عنه في الحديث الذي رواه عنه مسلم في «صحيحه» (810): «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبَا المُنْذِرِ»، وقولِه صلى الله عليه وسلم: «اقْتَدوا باللَّذَيْن مِنْ بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، واهْتَدوا بِهَدْيِ عمَّارٍ»(14)، وقوْلِه صلى الله عليه وسلم في ابن مسعود رضي الله عنه: «رَضِيتُ لأُمَّتِي ما رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ»(15)، وقولِهِ صلى الله عليه وسلم في طائفةٍ من أَصحابِه رضي الله عنهم: «أَقْرَؤُهُم لكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ ابنُ كعب، وأَفْرَضُهُم زيدُ بْنُ ثابِتٍ، وأَعلَمُهُم بالَحلاَلِ والحَرَامِ مُعَاذُ ابنُ جَبَلٍ»(16)، وَنَحْوِ هذِهِ الأحاديثِ.

ثُمَّ إنَّ هؤلاء الصَّحابةَ زَكَّوْا مَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ أخَذَ العِلْمَ عَنْهُم مِنَ التَّابِعِينَ، ثُمَّ هؤلاء التَّابِعُون زَكَّوْا مَن بَعْدَهم ـ أيضا ـ، وهكذا دَوَاليْكَ.

ومازَالَ الأَمْرُ على هذا النَّّسَقِ إلَى يَوْمِ النَّاسِ هذا ـ ولِلَّهِ الحَمْدُ ـ، ومَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا فَإنَّ حَقِيقَةَ أمْرِهِ كما قال الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ : في قَصِيدَتِه النُّونِيَّة:

لاَ يُفْـزِعَـنَّـكَ قَـرَاقِـعٌ وفَـرَاقِعٌ              وجَعَاجِعٌ عَرِيَتْ عَنِ البُرْهَانِ

والله تعالى أعلم، وصلَّى الله وبارَك وأنْعَم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.



(1) انظر: «قواعِدُ في التَّعَامُلِ مَعَ العُلَمَاءِ» لعبد الرحمن ابن مُعَلاّ اللويحق (20 ـ 21).

(2) «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة» (فتح : 13/293).

(3) انظر: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر (13/293)، وقد صحَّحَ هُنَالِك بعض أسانيد هذه الآثار.

(4) قاله العلاَّمَةُ الألباني في «الصحيحة» (1/254، ط: المعارف) .

(5) صحيح: رواه أحمد (16937) وأبو داود (4579)، انظر: «الصحيحة» (204).

(6) انظر: «صحيح البخاري» (فتح: 13/316).

(7) انظر:  «سنن الترمذي» (4/467).

(8) أي: مِنْ أَصْلِهِ، كما في حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ».

(9) انظر: منهاج السنة النبوية» (8/385) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و«إعلام الموقعين» للإمام ابن القيم (1/215)، حيْثُ قال في أَثَرِ ابْنِ عبَّاسٍ ب هذا: «ولَهُ طُرُقٌ عن ابْنِ عبَّاسٍ».

(10) رواه البخاري في كتاب العلم، باب: كيف يُقبَضُ العُلماء (100)، ومسلم في كتاب العلم (2673) عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص ب.

(11) صحيح: رواه أحمد، وابن ماجة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، انظر: «الصحيحة» (1682).

(12) هذا الأثر والذي بعده رواهما أبو نعيم في «الحِلْيَة» (6/316)، والخطيب في «الفقيه والمتفقِّه» (1042 ـ 1043).

(13) «قواعد في التعامل مع العلماء» للَّوِيحَق (26 ـ 27).

(14) صحيح: رواه أحمد والترمذي عن حذيفة ت، انظر: «الصحيحة» (1233).

(15) صحيح: رواه الحاكم عن ابن مسعود ت، انظر: «الصحيحة» (1225).

(16) صحيح: رواه الترمذي وابن ماجة عن أنس ت انظر: «الصحيحة» (1224).