أنت هنا:قضايا منهجية»مصدر تلقِّي العقيدة الإسلاميَّة

مصدر تلقِّي العقيدة الإسلاميَّة

  • حسن أيت علجت
تم قراءة المقال 3498 مرة
 

 

إنَّ من أهمِّ ما ينبغي أن يعتني به المسلم ـ عمومًا ـ، وطالب العلم ـ خصوصًا ـ في أمور الإيمان والاعتقاد: تصحيح المصدر الَّذي يقيم عليه دينه واعتقاده، ذلك بأنَّه إذا سلم للإنسان مصدرُه؛ سلم له ـ تبعًا لذلك ـ إيمانُه ومعتقدُه(1).

 والعقيدة الإسلاميَّة لها مصدران أساسيَّان هما:

أوَّلاً:كتاب الله تعالى «القرآن الكريم».

ثانيًا: ما صحَّ من سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الَّذي وصفه ربُّه سبحانه بقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[النجم:3-4].

وإجماع السَّلف الصَّالح مصدرٌ أيضًا؛ إذ جاء ذكر الإجماع في بعض مسائل الاعتقاد كما ثبت عن الإمام الأوزاعي رحمه الله أنَّه قال:

«كنَّا ـ والتَّابعون متوافرون ـ نقول: إنَّ الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السُّنَّة من صفاته»(2).

ولكنَّ مرجع هذا الإجماع ومبناه على الكتاب والسُّنَّة، أي أنَّه يستند في أبواب الاعتقاد إلى دليلٍ سمعيٍّ من كتابٍ أو سنَّةٍ، لا على قياسٍ ولا أمارةٍ ولا غير ذلك(3).

وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «العقيدة الواسطيَّة» وهو في «مجموع فتاواه» (3/157): «والإجماع هو الأصل الثَّالث الَّذي يعتمد عليه في العلم والدِّين، وهم يَزِنُون بهذه الأصول الثَّلاثة جميع ما عليه النَّاس من أقوالٍ وأعمالٍ باطنةٍ أو ظاهرةٍ ممَّا له تعلُّقٌ بالدِّين.

والإجماع الَّذي ينضبط، هو ما كان عليه السَّلف الصَّالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمَّة» اهـ.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه بقوله:

«أمَّا بعد؛ فإنَّ خيرَ الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمَّدٍ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»(4).

وفي هذا تأكيدٌ على أهمِّيَّة العناية بهذا المصدر ـ وهو الكتاب والسُّنَّة ـ، وضرورة الالتزام به، وتحذيرٌ من اتِّخاذ مصدرٍ سواه، وأنَّه ينجم عن تنكُّب الكتاب والسُّنَّة الضَّلال والانحراف.

ولهذا كان ابن تيميَّة يقول:

«مَن فارق الدَّليل ضلَّ السَّبيل، ولا دليل إلاَّ بما جاء به الرَّسول»(5).

فالأمر كما قال الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد:

«عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة نزلت من السَّماء، ولم تخرج من الأرض»(6).

ومعنى ذلك أنَّها وحيٌ من الله سبحانه؛ خلافًا لغيرها من العقائد المنحرفة الَّتي هي زبالة أذهان البشر ونخالة أفكارهم وعصارة آرائهم ووساوس صدورهم.

من أجل ذلك دأب أئمَّة السُّنَّة على الإرشاد إلى مصدر التَّلقِّي ـ وهو الكتاب والسُّنَّة ـ.

ومن أظهر الأمثلة على  ذلك:  ابتداء الإمام البخاري رحمه الله  كتابه «الجامع الصَّحيح» بكتاب «بدء الوحي»؛  إشارةً منه إلى أنَّ الدِّين يؤخذ عقيدةً وعبادةً عن طريق الوحي، ثمَّ ثنَّاه بكتاب «الإيمان»؛  إشارةً إلى وجوب الإيمان بما جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ ذكر الوسيلة إلى معرفة ذلك وهو العلم، فجعله عنوان الكتاب الَّذي  بعدهما.

وكذلك الإمام أبو جعفر الطَّحاوي أشار إلى هذا في  عقيدته المشهورة، حيث قال: «لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهِّمين بأهوائنا، فإنَّه ما سلم في دينه؛ إلاَّ من سلّم لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا تثبت قدم الإسلام؛ إلاَّ على ظهر التَّسليم والاستسلام».

بل إنَّ أئمَّة السُّنَّة يذكرون هذا الأصل  ـ وهو مصدر التَّلقِّي ـ حتَّى في منظوماتهم في العقيدة، كما فعل الإمام أبو بكرٍ ابن  الإمام أبي داود السِّجستاني ـ رحمهما الله ـ، حيث بدأ قصيدته «الحائيَّة» بقوله:

 

تمسَّك بحبل الله واتَّبع الهدى ولا تـك بـدعــيًّا لــعــلَّـك تـفـلـح
ودن بكتاب الله والسُّنن الَّتي أتت عن رسول الله تنجو وتربح


- إذا تقرَّر هذا؛ فإنَّ هذا الأمر مؤسَّسٌ على قاعدتين هامَّتين ينبغي أن تكونَا من كلِّ طالب علمٍ على بالٍ(
7):

القاعدة الأولى:

اشتمال الكتاب والسُّنَّة على أمور العقيدة: أصولها وفروعها، دلائلها ومسائلها.

وبيان هذه القاعدة يكون من وجهين: إجماليٍّ، وتفصيليٍّ:

- أمَّا الإجمالي: فإنَّ كلَّ ما يجب على المسلم اعتقاده قد جاء بيانه في كتاب الله سبحانه، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم بيانًا شافيًا، قاطعًا للعذر، مع بيان أدلَّته، وسبل الاهتداء إلى معرفته.

وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله:

«وذلك أنَّ أصول الدِّين: إمَّا أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولاً، أو تعمل عملاً: كمسائل التَّوحيد والصِّفات والقدر والنُّبوَّة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل.

 أمَّا القسم الأوَّل: فكلُّ ما يحتاج النَّاس إلى معرفته، واعتقاده، والتَّصديق به من هذه المسائل، فقد بيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر؛ إذ هذا من أعظم ما بلَّغه الرَّسول البلاغ المبين، وبيَّنه للنَّاس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجَّة على عباده فيه بالرُّسل الَّذين بيَّنوه، وبلَّغوه.

وكتاب الله الَّذي نقل الصَّحابة ثمَّ التَّابعون عن الرَّسول لفظه ومعانيه، والحكمة الَّتي هي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والَّتي نقلوها ـ أيضًا ـ عن الرَّسول؛ مشتملةٌ من ذلك على غاية المراد، وتمام الواجب والمستحبِّ.

وأمَّا القسم الثَّاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصوليَّة؛ فالأمر ما عليه سلف الأمَّة أهل العلم والإيمان من أنَّ الله  سبحانه وتعالى بيَّن من الأدلَّة العقليَّة الَّتي يحتاج إليها في العلم بذلك، ما لا يقدر أحدٌ من هؤلاء [المتكلِّمين] قدره، ونهاية ما يذكرونه؛ جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجهٍ، وذلك كالأمثال المضروبة الَّتي يذكرها الله في كتابه، الَّتي قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون[الزُّمَر:27]؛ فإنَّ الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقليَّة»(8).

- أمَّا الوجه التَّفصيلي لهذه القاعدة، فهو متعلِّقٌ بأصلين:

الأوَّل ـ القرآن العظيم: الَّذي هو كلام الله سبحانه المنزَّل على قلب نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين[النحل:89]، وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون[يوسف:111]، وقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ[الأنعام:38]

قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية الأخيرة:

«أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدِّين إلاَّ وقد دلَّلنا عليه في القرآن: إمَّا دلالةً مبيَّنةً مشروحةً، وإمَّا مجملةً يتلقَّى بيانها من الرَّسول صلى الله عليه وسلم أو من الإجماع أو من القياس الَّذي ثبت بنصِّ الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين[النحل:89]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون[النحل:44]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا[الحشر:7]، فأجمل في هذه الآية، وآية «النَّحل»، ما لم ينصَّ عليه ممَّا لم يذكره.

فصدق خبر الله بأنَّه ما فرَّط في الكتاب من شيءٍ إلاَّ ذكره: إمَّا تفصيلاً، وإمَّا تأصيلاً»(9)اهـ.

الثَّاني ـ السُّنَّة النَّبويَّة: فمن المعلوم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعلم النَّاس بالله سبحانه ودينه، وأنصحهم للأمَّة، وأفصحهم عبارةً وبيانًا من غيره، فاجتمع في حقِّه: كمال العلم، والقدرة، والإرادة؛  فاستلزم  هذا  وجود البيان التَّامِّ منه لمسائل  الدِّين كلِّها؛  سواءً ما كان منها متعلِّقًا بالعقائد أو الأعمال أو السُّلوك؛ لأنَّ وجود الملزوم يقتضي وجود لازمه.

ومصداق هذا  ما رواه العرباض ابن سارية رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

«قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلها كَنَهَارِهَا، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلاَّ هَالِكٌ»(10).

وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «درء تعارض العقل والنَّقل» (1/23 ـ 24): «ومحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحقّ، وهو أفصح الخلق لسانًا، وأصحُّهم بيانًا، وهو أحرص الخلق على هدي العباد كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم[التوبة:128]، وقال: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين[النحل:37] .

وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبيِّن للنَّاس ما نزِّل إليهم، فلا بدَّ أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتمّ من بيان غيره، فكيف يكون ـ مع هذا ـ لم يبيِّن الحقَّ؟!...».

ومن كمال نصح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمَّته أن علَّمها حتَّى آداب قضاء الحاجة.

ففي «صحيح مسلم» (262) عن سلمان  الفارسي رضي الله عنه قال: قال لنا المشركون: إنِّي أرى صاحبكم يعلِّمكم؛ حتَّى يعلِّمكم الخراءة؟! فقال: أجل، إنَّه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الرَّوث، والعظام وقال: «لاَ يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ».

 ومن درر كلام إمام دار الهجرة رحمه الله ما رواه الإمام أبو إسماعيل الهروي رحمه الله في «ذمِّ الكلام» (1128) بسنده إلى الإمام الشَّافعي رحمه الله قال:

سُئل مالكٌ عن الكلام في التَّوحيد, فقال مالكٌ: «محالٌ أن يُظنَّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه علَّم أمَّته الاستنجاء، ولم يعلِّمهم التَّوحيد».

ولهذا قال الإمام ابن القيِّم  رحمه الله؛ تجانسًا مع كلام الإمام مالكٍ رحمه الله المذكور:

«ومن أبْيَن المحال أن يكون أفضلُ الرُّسل قد علَّم أمَّته آداب البول: قبله وبعده ومعه، وآداب الوَطْء، وآداب الطَّعام والشَّراب، ويترك أن يعلِّمهم ما يقولونه بألسنتهم، وتعتقده قلوبهم في ربِّهم ومعبودهم، الَّذي معرفته غاية المعارف، والوصول إليه أجلّ المطالب، وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل» اهـ(11).

 

- ثمرة الالتزام بهذه القاعدة: الاستغناء بكتاب الله سبحانه، وما صحَّ من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم عمَّا سواهما في جميع الأمور الدِّينيَّة، سيما ما كان متعلِّقًا بالمطالب الإلهيَّة، والمقاصد الرَّبَّانيَّة، وفي هذا قال ابن القيِّم في «الصَّواعق المرسلة» (4/1352 ـ 1353): «إنَّ الله سبحانه أنكر على من لم يكتف بكتابه فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون[العنكبوت:51]، ومن المحال أن يكون الكتاب الَّذي يخالفه صريح العقل كافيًا، وإنَّما يكون كافيًا لمن قدَّمه على كلِّ معقولٍ ورأيٍ وقياسٍ وذوقٍ وحقيقةٍ وسياسةٍ؛ فهذا الكتاب في حقِّه كافٍ له، كما أنَّه إنَّما يكون رحمةً وذكرى له دون غيره، وأمَّا من أعرض عنه، أو عارضه بآراء الرِّجال؛ فليس بكافٍ له، ولا هو في حقِّه هدًى ولا رحمةً؛ بل هو من الَّذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله».

وقال ـ أيضًا ـ رحمه الله في «بدائع الفوائد» (4/155): «فالحمد لله الَّذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه، وما أودعه من حججه وبيِّناته، عن شقاشق المتكلِّمين، وهذيانات المتهوِّكين، فلقد عظمت نعمة الله تعالى على عبدٍ أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره ».

 

- القاعدةالثَّانية:

ظواهر النُّصوص مفهومةٌ لدى المخاطبين.

وبيان هذه القاعدة يكون من وجهين: إجماليٍّ، وتفصيليٍّ:

- أمَّا الإجمالي: فإنَّ كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عربيٌّ مبينٌ، وظاهره غايةٌ في البيان، وهو مفهومٌ لدى المخاطبين من أهل اللِّسان العربيِّ، سيَّما ما يتعلَّق من ذلك بمسائل الاعتقاد والإيمان.

- أمَّا الوجه التَّفصيلي لهذه القاعدة، فهو متعلِّقٌ بأصلين:

الأوَّل ـ القرآن العظيم:

الَّذي نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وهو جارٍ على معهود العرب في خطابها.

ودليل هذا من جهتين: من جهة الأثر، ومن جهة النَّظر:

أمَّا من جهة الأثر: فقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين  * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين[الشعراء:192-195]، وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون[فُصِّلَت:3]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون[يوسف:2]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدَّالَّة على أنَّ هذا القرآن أنزل باللِّسان العربيِّ المفهوم لدى المخاطبين من أهل اللِّسان العربي.

أمَّا من جهة النَّظر: فإنَّه من المعلوم أنَّ القرآن العظيم مقصودٌ به الهداية والإرشاد؛ فلزم أن يكون بيِّنًا للأمَّة المخاطبة به، ولا يكون كذلك حتَّى تفهمه وتعقله، ولا يتمُّ ذلك حتَّى يكون جاريًا على معهودها في الخطاب، وعادتها في الكلام.

وفي هذا قال الإمام الطَّبري رحمه الله في مقدِّمة «تفسيره» (1/11): «إنَّه غير جائزٍ أن يخاطب ـ جلَّ ذكره ـ أحدًا من خلقه إلاَّ بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحدٍ منهم رسولاً برسالةٍ؛ إلاَّ بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسل إليه؛ لأنَّ المخاطب والمرسل إليه، إن لم يفهم ما خوطب به، وأرسل به إليه؛ فحاله قبل الخطاب، وقبل مجيء الرِّسالة إليه وبعده سواءٌ؛ إذ لم يفده الخطاب والرِّسالة شيئًا كان به قبل ذلك جاهلاً، والله ـ جلَّ ذكره ـ يتعالى عن أن يخاطب خطابًا، أو يرسل رسالةً لا توجب فائدةً لمن خوطب، أو أرسلت إليه؛ لأنَّ ذلك فينا من فعل أهل النَّقص والعبث، والله تعالى عن ذلك متعالٍ» اهـ.

الثَّاني ـ السُّنَّة النَّبويَّة:

إنَّ من سنَّة الله في خلقه وأمره أن يرسل كلَّ رسولٍ بلسان قومه، حتَّى يحصل المقصود من الرِّسالة وهو البيان والإنذار.

ولا تقوم الحجَّة الرِّساليَّة، وتنقطع المعذرة؛ إلاَّ بالبيان من الرَّسول، والفهم من المرسل إليه، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[إبراهيم:4]، وقال في حقِّ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم : ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون[النحل:44].

والقوم الَّذي بعث فيهم نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ـ وهم قريشٌ ـ عربٌ أقحاحٌ، فيكون كلامه لهم ممَّا يفهمونه من لغة العرب وأساليبها.

 

- ثمرة الالتزام بهذه القاعدة:

إنَّ ما جاء في كتاب الله سبحانه، وما صحَّ من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم معقول المعنى، واضحٌ جليٌّ، سيَّما ما كان متعلِّقًا بما يجب على المسلم اعتقاده في ربِّه ومعبوده سبحانه.

 

- تنبيه حول منزلة العقل والفطرة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد(12):

إذا كان الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة هما مصدرَا تلقِّي العقيدة الإسلاميَّة، فما منزلة العقل والفطرة في باب الاعتقادات؟

الجواب عن هذا من وجهين:

الأوَّل: الفطرة والعقل السَّليم مؤيِّدان، وموافقان لما جاء في الكتاب والسُّنَّة، ويدركان أصول الاعتقاد على الإجمال ـ لا على التَّفصيل ـ؛ فالعقل والفطرة يدركان وجود الله وعظمته، وضرورة طاعته وعبادته، واتِّصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم، كما أنَّ العقل والفطرة السَّليمين يدركان ضرورة النُّبوَّات، وإرسال الرُّسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال؛ على الإجمال ـ أيضًا ـ، لا على التَّفصيل، أمَّا هذه الأمور وسائر أمور الغيب، فلا سبيل إلى إدراك شيءٍ منها على التَّفصيل إلاَّ عن طريق الكتاب والسُّنَّة «الوحي»، وإلاَّ لما كانت غيبًا، ومثل الوحي بالنِّسبة للعقل والفطرة، كضوء الشَّمس بالنِّسبة للعين الباصرة.

قال الإمام ابن القيِّم في تفسير قول الله سبحانه: ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم[النور:35].

«فأخبر  ـ سبحانه ـ عن مثل نور الإيمان به، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وصدق رسله ـ في قلوب عباده ـ، وموافقة ذلك لنور عقولهم، وفطرهم الَّتي أبصروا بها نور الإيمان؛ بهذا المثل المتضمِّن لأعلى أنواع النُّور المشهود، وأنَّه نورٌ على نورٍ:  نور الوحي ونور العقل، نور الشِّرعة ونور الفطرة، نور الأدلَّة السَّمعيَّة ونور الأدلَّة العقليَّة»(13).

الوجه الثَّاني: تعارض النَّصِّ الصَّريح من الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة مع العقل الصَّحيح، أي: السَّليم الَّذي لم يطرأ عليه تغييرٌ ولا انحرافٌ؛ غير متصوَّرٍ أصلاً؛ بل هو مستحيلٌ؛ لأنَّ العقل خلق الله تعالى، والوحي أمر الله تعالى، فلا يمكن أن يتعارض خلق الله سبحانه وأمره أبدًا، وهو ـ سبحانه ـ له الخلق والأمر، كما قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِين[الأعراف:54]

فإذا جاء ما يوهم التَّعارض بين الوحي والعقل، فإنَّ الوحي مقدَّمٌ ومحكَّمٌ؛ لأنَّه صادرٌ عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، والعقل لا عصمة له؛ بل هو نظر البشر النَّاقص، وهو معرَّضٌ للوهم، والخطأ، والنِّسيان، والهوى، والجهل، والعجز.

والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.

 


(1) عن «شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي» للدكتور عبد الرزاق البدر (ص42) باختصار وإضافة.

(2) رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص515)، وصحّح إسناده ابن تيميّة في «مجموع الفتاوى» (5/39)، وابن القيّم في «اجتماع الجيوش» (ص31)، والذّهبي في «تذكرة الحفّاظ» (1/181 ـ 182)، وجوّد إسناده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (13/406).

(3) انظر: «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السّنّة والجماعة» رسالة ماجستير لعثمان ابن علي حسن (1/154).

(4) رواه مسلم في «صحيحه» (867)، وما استفيد من الحديث منقولٌ من «شرح حائية ابن أبي داود» للدكتور عبد الرزاق البدر (ص12).

(5) نقله عنه الإمام ابن القيم : في «مفتاح دار السعادة» (1/90).

(6) عن «شرح عقيدة الحافظ عبد الغني» لعبد الرزاق العباد (ص 43 ـ 45) بإضافة.

(7) وهما مستفادتان من كتاب «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد» لعثمان بن علي حسن (1/245 ـ 258)، و(2/437 ـ 467) [ط/ مكتبة الرشد ـ الرياض]، مع تصرّفٍ واختصارٍ وإضافةٍ.

(8) «درء تعارض العقل والنّقل» (1/27 ـ 28/ط: جامعة الإمام) باختصارٍ وحذفٍ.

(9) «الجامع لأحكام القرآن» (6/420).

(10) رواه أحمد (17142)، وابن ماجة (43)، وانظر: «الصحيحة» (937).

(11) «الصواعق المرسلة» (1/158).

(12) عن «مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة» للدكتور ناصر العقل مع تصرّفٍ وإضافة.

(13) «الصّواعق المرسلة» (3/851 ـ 852).