أنت هنا:قضايا منهجية»العلماء بين التقدير والازدراء

العلماء بين التقدير والازدراء

  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 1232 مرة

 

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اتَّبع هداه، وبعد:

فإنَّ مِنْ حفظ الله لهذا الدِّين؛ أنْ جعل له في كلِّ فترةٍ طائفةً من العلماء ـ وهم ورثة الأنبياء ـ يَنْفُون عنه تحريف الغالين، وانتحال المُبْطِلين، وتأويل الجاهلين، ويدكُّون حصون المشركين، ويشنُّون الغَارَات على مَعَاقِل المبتدعين، ويكشفون بَهْرَجَ الصَّادين عن سبيل المؤمنين.

إنَّهم حرَّاس الشَّريعة، وحفظة السُّنَّة، والدُّعاة إلى الملَّة.

فاحترامهم والتَّواضع لهم من الدِّيانة، والرُّجوع إليهم وسؤالهم من العبادة.

قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون[النحل:43].

والسَّعيد من عَرَفَ قَدْرَهُم، وأدَّى إليهم حقَّهم، وحَفِظَ لهم درجتَهم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات[المجادلة:11].

وقال النَّبيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» [حسن: رواه أحمد (23135)].

وكان أئمَّةُ السَّلف يذكرون هذا في باب العقيدة، قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله ـ المُلَقَّب بـ«مالك الصَّغير» ـ في عقيدته:

«والطَّاعة لأئمَّة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم، واتِّباع السَّلف الصَّالح، واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم».

إنَّ النَّاس إذا رجعوا إلى أهل العلم، ولزموا غَرْزَهم، وصَدَرُوا عن أمرِهم؛ استقامت أمورُهم وصفتْ مِنَ الِمَحِن والفتنِ، وإلاَّ فسد شأنُهم، وكبر ضلالُهم، قال نبيُّنا ﷺ: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ؛ وَلَكِنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً؛ فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ ـ في رواية: فَيُفْتُونَ برَأْيهِمْ ـ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [متَّفق عليه].

ففساد النَّاس وهلاكم؛ يكون بموت العلماء، وبعدم الرُّجوع إليهم، وبسوء الظَّنِّ بهم، والإعراض عنهم، وتنصيب الجُهَّال الأصاغر رؤوسًا يُقْتَدى بهم، وجعلهم أئمَّة يُصْدَرُ عَنْ أمرِهم.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لا يزال النَّاس بخير؛ ما أخذوا العلم عن أكابرهم وأمنائهم وعلمائهم، فإذا أخذوه من صغارهم وشرارهم؛ هلكوا» [الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (776)، وسنده صحيح].

ويتأكَّد الرُّجوع إلى أهل العلم الرَّاسخين؛ وقت حلول النَّوازل، وظهور الفتن، واختلاط الأمور، فالقلوب ضعيفةٌ والشُّبه خطَّافة.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ[النساء:83].

وقال الحسن رحمه الله: «الفتن إذا أَقْبَلَتْ؛ عرفَها كلُّ عالم، وإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل» [«الطَّبقات الكبرى»: (7/166)].

فالعالمُ أعطاه الله عِلْمًا ورزقه فُرقانًا؛ يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والخير والشَّرِّ، والسُّنَّة والبدعة، ويَعْرِفُ به خيرَ الخَيْرَيْن، وشرَّ الشَّرَّيْن.

ومِنْ أعظم البلايا؛ أن يُترك باب العلم والتَّعليم مفتوحًا لكلِّ مُدَّعٍ، وبما لَمْ يُعْطَ مُتَشَبِّع، ومن شرِّ الرَّزايا أنْ يتصدَّر للدَّعوة والفتوى أصحاب الأهواء والشُّبهات، وعبيد المصالح والشَّهوات.

بكى ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن؛ فقيل له: أدخلت عليك مصيبة؟! فقال: «لا، ولكن اسْتُفْتِيَ مَنْ لا عِلْمَ له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيم» [الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1039)].

وقال ابن حزم رحمه الله: «لا آفةَ على العلوم وأهلِها أضرُّ مِنَ الدُّخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنَّهم يجهلون ويظنُّون أنَّهم يعلمون، ويُفسدون ويُقَدِّرون أنَّهم يصلحون» [«رسائل ابن حزم» (1/345)].

وهذا كلامُ خبيرٍ، ينطبق تمامًا على أولئك الَّذين يقحمون أنفسهم في العلم والفتوى؛ فَيُسَوِّدون الصُّحف، ويُبَذِّرُون المداد، ويضيِّعون الأوقات، وصدق مَنْ قال:

تصدَّر للتَّدريس كُلُّ مُهَوِّسِ

جهولٍ تَسَمَّى بالفقيه المُدَرِّسِ

فَحُقَّ لأهلِ الـعـلـم أن يتـمـثَّـلوا

ببيتٍ قديم شاع في كلِّ مجلسِ

لقدْ هَزُلَتْ حتَّى بَدَا مِنْ هُزالِها

كُلاَهَا وَحتَّى سَامَها كُلُّ مُفْلِسِ

لقد أصبح لهؤلاء ـ بكلِّ أسفٍ ـ صحفٌ، ومواقعُ وقنواتٌ؛ ينشرون فيها باطلهم، ويزيِّنون شُبَههم، سلاحُهم الطَّعنُ والافتراءُ، وزادُهم التَّحريش والتَّلبيس، كما فعلت بعضُ الصُّحف مع شيخنا الفاضل محمَّد علي فركوس، حفظه الله تعالى وأطال عمره في الطَّاعة والعلم.

ويطعنون على أهل العلم الرَّاسخين، المعروفين بالعلم والصِّدق والنَّزاهة والأمانة والغَيْرة على الدَِّين والنُّصح للأمَّة، والحرص على جمع الكلمة، وَلَمِّ الشَّمل، ورَأْبِ الصَّدْع، واسْتِتْبَاب الأمن.

وينبزُونهم بالحشويَّة، والمجسِّمة، والمرجئة، وعلماء الحَيْض والنِّفاس، وعلماء الصُّحون، والعملاء، والجامدين... إلى غير ذلك من البهتان والهُراء الموروث عن أئمَّة الزَّيغ والضَّلال.

وصدق أبو حاتم الرَّازي رحمه الله حيث قال: «علامة أهل البدع الوَقيعة في أهل الأثر» [«شرح أصول الاعتقاد» (2/200)].

والهدف من وراء ذلك كلِّه أمور، منها:

r تنفير النَّاس عنهم وصدُّهم عن الاستفادة من علمهم، والأخذِ بتوجيهاتهم، لقد سخَّروا أوقاتهم وأقلامهم في صدِّ النَّاس عن العلم الصَّحيح النَّافع، فهم «نوَّابُ إبليسَ في الأرض» كما يقول ابن القيِّم رحمه الله. [«مفتاح دار السَّعادة» (1/490)].

r تأليبُ وليِّ الأمر وتحريضُه عليهم.

r سيطرتُهم على السَّاحة الدَّعويَّة، وتزعُّمهم باب العلم والفتوى، وترؤُّسُهم على الدَّهماء.

لكن هيهات! هيهات!.. ﴿وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ[التوبة:32]، لقد عَلِمَ القاصي والدَّاني، واستيقن الموافق والمخالف؛ أنَّ أهل العلم وطلبته قصدُهم تحصيلُ العلم وتبليغُه وتعميمُ النُّصح والسَّعي لإنقاذ النَّاس من الجهل والشِّرك والمنكرات، وتخليصهم من البدع والخرافات، والتصدِّي للأهواء المضلَّة والانحرافات العقديَّة والتَّهييجات الثَّوريَّة، والاجتهاد في جمع الكلمة على الحقِّ المبين.

فإذا أردت ـ أيُّها العاقل اللَّبيب!.. ـ سلامةَ دينك وثبات قدمك ونجاة نفسك؛ فعليك بأهل العلم الموثوقين الَّذين يدلُّونك على طريق الحقِّ والهدى، ويبصِّرونك بسُبُل الباطل والهوى، واحذرْ أهلَ الجهل والبدع والأهواء، وفِرَّ منهم فِرارَك من الأسد، واجعل نُصْبَ عيْنَيْك الكلمةَ الذَّهبيَّة الَّتي قالها محمَّد بن سيرين رحمه الله: «إنَّ هذا العلم دينٌ؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم» [مسلم: مقدِّمة «صحيحه»].

والله يقول الحقَّ، وهو يهدي السَّبيل، وحسبنا اللهُ ونِعْمَ الوكيل.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 12»