أنت هنا:قضايا منهجية»دور الأغنياء في الدَّعوة إلى الله ونشر دينه

دور الأغنياء في الدَّعوة إلى الله ونشر دينه

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 1573 مرة

 

إنَّ الدَّّعوة إلى الله عزَّ وجلَّ أجلُّ أعمال الخير الَّتي أرشد إليها ربُّنا في كتابه، وهي وظيفة الرُّسل وأتباعِهم، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين[النحل:125]، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ[الشورى:15].

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية (7/ 195):

«أي فللَّذي أوحينا إليك من الدِّين الَّذي وصَّينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشَّرائع الكبار المتَّبعة كأولي العزم وغيرهم فادع النَّاس إليه».

وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآب[الرعد:36]، أي إلى سبيله أدعو النَّاس، كما قال ابن كثير أيضًا (4/ 467).

والآيات في الحثِّ على الدَّعوة إلى الله والتَّرغيب في ذلك وبيان ما أعدَّ الله للدُّعاة إليه من الثَّواب والأجر والرِّفعة في الدُّنيا والآخرة كثيرةٌ جدًّا.

***

ولا تقتصر الدَّعوة إلى الله ببيان سبيل الله بالتَّعليم والتَّدريس والموعظة، بل الأمر أكبر من ذلك، فكلُّ من كان سببًا في إيصال الخير والنَّفع إلى النَّاس فهو من الدُّعاة إلى الله، سواء كان ذلك بعلمه أم بماله أم بجاهه أم بأيِّ طريق من طرق الخير المشروعة، وقد قال الرَّسول الكريم عليه صلوات الله وسلامه: «مَن دَلَّ علَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ»(1)، والدَّالُّ على الخير لا يقتصر على من علَّم غيره دينَ الله وبيَّن له أحكام الشَّريعة، بل يتعدَّاه إلى كلِّ من دلَّ غيره على خير.

فمن تصدَّق في سبيل الله فهو دالٌّ على خير، ومن أرشد غيره إلى شيءٍ من الخير فهو دالٌّ عليه، روى مسلم في «صحيحه» (1017) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصُّوف، فرأى سوءَ حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثَّ النَّاسَ على الصَّدقة فأبطوؤا عنه، حتَّى رُؤي ذلك في وجهه, قال: ثمَّ إنَّ رجلاً من الأنصار جاء بصُّرَّة من وَرِق، ثمَّ جاء آخر، ثمَّ تتابعوا حتَّى عُرف السُّرور في وجهه فقال رسول الله ﷺ: «مَن سَنَّ في الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فيِ الإِسْلاَمِ سُنَّةً سيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».

فهذا الرَّجل الأنصاري رضي الله عنه سنَّ سنَّة حسنةً بأن تقدَّم غيرَه ودلَّهم على طريق من طرق الخير، فجاء بصُرَّةٍ من ورِق ـ وهي الفضَّة ـ ووضعها بين يدي رسول الله ﷺ فلمَّا رآه النَّاس ورأوا استبشار النَّبيِّ ﷺ بصنيعه تتابعوا في الصَّدقة، وجاؤوا بما يسَّره لهم ربُّهم من الصَّدقات، فكافأه الله عزَّ وجلَّ بأن كتَب له أجرَه وأجر مَن تبعه في صدقته من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

***

والمال نعمة يُنعم بها الله على عبده، استرعاه عليه، فينظر ماذا يعمل فيما استرعاه، وسيسأله يوم القيامة عنه، فلم يجعله بين يديه ليتصرَّف فيه كما شاء وأراد، بل أوجب عليه واجباتٍ وفرض عليه صدقاتٍ، وحثَّه على إنفاقه في طرق الخيرِ وسبلِ الفلاحِ، إذ المال مال الله والعبد عبده، فينبغي للعبد الذَّليل أن ينظر فيما يضعه وأين ينفقه.

روى التِّرمذي (2417) عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيما أَفْنَاهُ، وَعَن عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ».

وعن أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّ الدُّنيَا حُلْوَةٌ خَضِرَة، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُم فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»(2).

وعن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «وَيلٌ للمُكْثِرِينَ إِلاَّ من قَالَ بِالمَالِ هَكذَا وهَكذَا وهَكذَا وهَكذَا؛ أَرْبَع: عَنِ يَمِينِه وعَن شِمَالِهِ ومِن قُدَّامِه ومِنْ وَرَائِه»(3).

والمسلم النَّاصح لنفسه يستعمل المال في حقِّه، «فنِعمَ المَالُ الصَّالِحُ للمَرْءِ الصَّالِحِ» كما قال رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري في «الأدب المفرد» (299).

والمؤمن الغنيُّ أكثر أجرًا من المؤمن الفقير إذا استعمل مالَه فيما يرضي الله عزَّ وجلَّ، وأنفقه في سبيله.

روى مسلم في «صحيحه» (1006) عن أبي ذرٍّ: «أنَّ ناسا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ قالوا للنَّبيِّ ﷺ: يا رسول الله! ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يُصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالهم؛ قال: «أَوَلَيسَ قَدْ جَعَلَ الله لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبيحَةٍ صَدَقَة، وَكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَة، وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَة، وأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنَهيٌ عَن مُنْكَرٍ صَدَقَة، وَفيِ بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَة»، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُم لَو وَضَعَهَا فيِ حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فيِ الحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»، وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه: «فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله! فقال رسول الله ﷺ: «ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»(4).

وقد كان رسول الله ﷺ يحثُّ أغنياء الصَّحابة على التَّصدُّق والإنفاق خاصَّة في أوقات العسرة والضِّيق وحاجة المسلمين إلى أموال ليقوموا بتبليغ دين الله ويجاهدوا في سبيله.

روى التِّرمذي في «جامعه» (3703) عن ثُمامة بنِ حَزْن القُشَيْري قال: «شهدت الدَّار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللَّذيْن ألَّباكم عليَّ، قال: فجيء بهما فكأنَّهما جملان أو كأنَّهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام! هل تعملون أنَّ رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يُستعذَب غير بئر رومة، فقال: «مَن يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَة فَيَجْعَلَ دَلْوَهُ مِنْ دِلاَءِ المُسْلِمِينَ بخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فيِ الجَنَّةِ»، فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتَّى أشرب ماء البحر، قالوا: اللَّهمَّ نعم، قال أنشدكم بالله والإسلام! هل تعلمون أنَّ المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلان فَيَزِيدَهَا فيِ المَسْجِدِ بخَيْرٍ مِنْهَا فيِ الجَنَّةِ؟» فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلِّي فيها ركعتين، قالوا: اللَّهمَّ نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أنِّي جهَّزت جيشَ العسرة من مالي؟ قالوا: اللَّهمَّ نعم، ثمَّ قال: أنشدكم بالله والإسلام! هل تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرَّك الجبل حتَّى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله وقال: «اسْكُنْ ثَبير فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ»؟ قالوا: الَّلهمَّ نعم، قال: الله أكبر شهدوا لي وربِّ الكعبة أنِّي شهيد ثلاثًا».

هكذا كان صحابة رسول الله ﷺ يتسابقون إلى الخير والإنفاق في سبيل الله، لما آتاهم الله تعالى من مال وعلم وجاه.

***

فالدَّعوة إلى الله لا يمكن أن تقوم فقط بالعالِم الرّبَّاني الَّذي يربِّي النَّاس على الدِّين الصَّحيح، بل لابدَّ من عمل الأغنياء وقيامهم بالدَّعوة إلى الله بأموالهم وما آتاهم الله تعالى من فضله، فالعالِم بعلمِه، والغنيُّ بماله، فتتَّحد القوَّتان وتصيرُ بمثابة الجناحيْن تسمو بهما إلى الكمال.

روى ابن أبي الدُّنيا في كتابه «إصلاح المال» (58) عن محمَّد بن المنكدر أنَّه قال: «نِعم العون على الدِّين: الغنى».

وروى أيضًا (79) عن سفيان الثَّوري قال: «المال في هذا الزَّمان سلاح المؤمن».

فيجب على الأغنياء أن يدركوا تمام الإدراك أنَّ هذا الدِّين دينهم، والأمر أمرهم، وهم مطالبون بالدَّعوة إلى الله وتبليغ دينه بما أوتوا من مال وجاه.

يقول الشَّيخ محمَّد البشير الإبراهيمي :: «... إنَّما نلوم أنفسنا ونلوم قومَنا على التَّفريط والإضاعة وعلى إهمال الدَّعوة لدينهم والعرْض لجماله ومحاسنه، وعلى التَّخاذل في وجه هذه القوَّة المتألِّبة المتكالبة عليهم وعلى دينهم، حتَّى أصبح سكوتُنا وإهمالنا عونًا لها على هدم ديننا ومحو فضائلنا والقضاء على مقوِّماتنا، فأغنياؤنا ممسكون عن البذل في سبيل الدَّعوة إلى دينهم، وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهم، وكأنَّ الدِّين ليس دينهم، وكأنَّهم لا يعلمون أنَّ هذا التَّكالب إن استمرَّ لا يُبقي لهم عرضًا ولا مالاً ولا متاعًا، وقد بلغت الغفلة ببعضهم أن يُعين الجمعيَّات التَّبشيريَّة المسيحيَّة بماله، وكأنَّه يُقلِّد عدوَّه سلاحًا قتَّالاً يقتل به دينَه وقومه، ولم يبق عليه من فضائح الجهل إلاَّ أن يقول لعدوِّه: اقتلني به.

إنَّنا لا نكون مسلمين حقًّا ولا نستطيع أن ندفع هذه الجيوش المغيرة علينا وعلى ديننا تارة باسم العلم وتارة باسم الخير والإحسان وأخرى باسم الرَّحمة بالإنسان إلاَّ إذا علمنا ما يُراد بنا، وفقهنا الغايات لهذه الغارَات، وتحدَّيناها بجميع قوانا المعنوية والمادِّيَّة وحشدها في ميدان واحد هو ميدان الدِّفاع عن حياتنا الرًُّوحية والمادِّيَّة، ولا يتمُّ لهذا الشَّأن تمام إلاَّ إذا أقمنا الدَّعوة إلى الله وإلى دينه الإسلام على أساس قويٍّ من أحجار العالم الرَّبانيِّ والخطيب الَّذي يتكلم بقلبه لا بلسانه والكاتب اَّلذي يكتب بقلمه ما يمليه عقله والغنيِّ المستهين بماله في سبيل دينه، ثمَّ وجَّهنا هذه الدَّعوة إلى القريب قبل الغريب، إلى المسلم الضَّالِّ قبل الأجنبيِّ، فإذا فعلت الدَّعوة فعلَها في نفوس المسلمين وأرجعتهم إلى ربِّهم فاتَّصلوا به فتمسَّكوا بكتابه وهدي نبيِّه وتمجَّدوا بتاريخه وأمجاده وفضائله ولسانه كنَّا قلَّدناهم سلاحًا لا يفلّ، وأسبغنا عليهم حصانة روحيَّة لا تؤثِّر عليها هذه الدِّعايات المضلَّة، وحصانة أخرى مادِّيَّة ملازمة لها لا تهزمها الجموع المجمَّعة ولو كان بعضُها لبعض ظهيرًا». [«الآثار» (4/ 286)].

***

وللغنيِّ أن يسأل ما هي وجوه البرِّ والخير الَّتي يمكن أن يشارك فيها لينال أجر الدُّعاة والدَّالِّين على الخير، ولعلَّ هذا التَّساؤل هو ـ في الغالب ـ الحاجز بين هؤلاء وبين فعلهم للخير، وذلك لجهلهم بمصلحة الدَّعوة وحاجتها، وبُعدهم عن ساحتها جعلهم يحجمون ويخافون أن ينفقوا أموالهم فيما لا نفع فيه يعود على الدَّعوة وعليهم، ولا شكَّ أنَّ على الغنيِّ أن يتحرَّى معرفة طرق الخير ليسلم له ماله من أن يضعه فيما لا يرضي الله تعالى ويعينه على ذلك سؤاله أهل العلم ليعرِّفوه بتلك السُّبل، ويوضحوا له المعالم والطُّرق.

وسبل الإنفاق كثيرةٌ جدًّا، لا يمكن استقصاؤها، لكن كلُّ ما يخدم الدَّعوة الإسلاميَّة الصَّحيحة ويكون له أثر في تعريف النَّاس بدينهم وربِّهم فهو من أبواب الخير وسبله، ولا بأس بضرب أمثلة على تلك الوجوه، فمن ذلك:

ـ بناء المدارس القرآنيَّة والعناية بها وتشييدها واختيار المدرِّس النَّاصح الكفيل بتدريس القرآن على الوجه المطلوب ودعمه، وذلك أنَّ مثل تلك المدارس تقوم على تحفيظ كلام الله تعالى وتلاوته، وتعلُّمِ أحكام شرع الله تعالى وسنَّة نبيِّه، فهذا أدعى أن يهتَمَّ ويعتنى بها.

ـ طباعة الكتب والرَّسائل والمجلاَّت الإصلاحيَّة وتوزيعها على الطَّلبة والمثقَّفين وسائر شرائح المجتمع، وهذا مجال واسع ورحب، وجدير بالأغنياء العناية به، فكم هدى الله من ضالٍّ بقراءة كتاب في المعتقد الصَّحيح وأخرجه من ظلمات الشِّرك إلى نور الإيمان والتَّوحيد، وكم من عاص رجع إلى الله وعاد بتصفُّحه لرسالة في الأخلاق والقيم، وقد تنافس المتنافسون في هذا الباب أيما تنافس، وذهب أهل الدُّثور بالأجور، إذ ترى في بعض المجتمعات الإسلاميَّة آلاف الكتب إن لم نقل ملايين النُّسخ توزَّع بالمجَّان، مكتوبًا على غلافها (طبع على نفقة بعض المحسنين)، والقارئ لهذه العبارة يحقُّ له أن يغبطَهم ويحسُدَهم، إذ «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فيِ اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ الله مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِِهِ فيِ الحَقِّ، وَرَجُُلٍ آتَاهُ الله الحِكْمَةَ فَهُُوَ يَقْضِي بهَا وَيُعَلِّمُهَا(5)»، كما قال ﷺ.

فالغنيُّ النَّاصح لنفسه يتمنَّى أن يُحْشَرَ في زُمرةِ المحسنين، الدَّالِّين على الخير، فكلَّما قرأ إنسانٌ حرفًا من ذاك الكتابِ أو الرِّسالة نال به الأجر، وكان السَّبب في هدايته وإن لم يكن كاتبَه ومؤلِّفَه.

فالدَّاعية يختارُ الأنسب لمجتَمَعِه وحاجة النَّاس له من الكتب، والغنيُّ يدَعِّم تلك المشَاريع الزَّكية وينفِقُ عليها من مالِه.

ـ العناية بالنُّجباء من الحفظة لكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ، وإعانتُهم على طلبِ العلمِ وتفريغُهم لذلك، حتَّى لا ينشغلَ بالُهم بهموم الدُّنيا، خاصَّةً من كان منهم منقطعًا في بعض المدارس الشَّرعية، بتوفيرِ كلِّ ما يُمَكِّنهم من طلب العلم والاجتهاد فيه، كلٌّ على حسب حاجته.

إلى غير ذلك من الوجوه الكثيرةِ الكفيلة برفع هذا المجتمع إلى منار العلم والإيمان، والله الموفِّق لكلِّ خير وأمانٍ.



(1) رواه مسلم في «صحيحه» (1893) عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

(2) رواه مسلم (2742).

(3) رواه ابن ماجه (4129)، «الصحيحة» (2412).

(4) رواه مسلم (595).

(5) رواه البخاري (73)، ومسلم (816).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 21»