أنت هنا:قضايا منهجية»انتقاص العلماء

انتقاص العلماء

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 612 مرة

 

إنَّ للعُلماء منزلةً عاليةً، ومكانةً مرموقةً، فمقامُهم محفوظٌ، وأعراضُهم مصونةٌ، لا يَتعرَّض لها إلا مخذولٌ قَد حُرم التَّوفيقَ، قال ابنُ عسَاكر: «إنَّ لحُومَ العُلماء ـ رحمَة الله عليهِم ـ مسْمُومَةٌ، وعادَةُ الله في هتْكِ أسْتَار مُنتَقِصيهم معْلُومَةٌ؛ لأنَّ الوقيعَةَ فيهم بمَا هُم منْهُ بَراءٌ أمرُه عظِيمٌ، والتَّناوُل لأعراضِهِم بالزُّور والافتراءِ مرتَعٌ وخيمٌ، والاختلاقُ على مَن اختارَهُ الله منْهُم لنَعْش العِلم خلُقٌ ذميمٌ»؛ فمَن تجاسَر على انتقاص عُلماء السُّنَّة فليُعدَّ نفسَه للفضَائح والخزَايا، وليتَجهَّز للمآسي والبَلايا؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا[النساء:123]، ومن أعظم السُّوء الَّذي يقترفُه المرءُ أن يطعنَ في العالِم المهتَدي الَّذي جعَله الله منَارًا يرجعُ إليه النَّاسُ في معرفَة المسَائل، ويفزَعُون إليه عندَ حلُول النَّوازل؛ فإنَّ غَمْزَه ولمزَه والتَّشكيكَ فيه صَدٌّ عن سَبيل الله، وحيلولةٌ بينَ النَّاس وبينَ مَعرفَة الحقِّ، لهذا ليسَ لهذَا الغمَّاز العيَّاب سِوى عاقبَة السُّوء إن لم يتَدَارك نفسَه بتوبة نصُوح تمحُو خطيئتَه، وتمسحُ سيِّئتَه؛ قال ابنُ المُبارَكِ رحمه الله: «مَن اسْتَخَفَّ بالعُلمَاءِ ذهبَتْ آخِرَتُه».

وقَد تنوَّعت طرُقُ الاستخفَاف بالعُلماء خاصَّةً في زماننا مرَّةً بالطَّعن تصريحًا كرميِهم بالكذبِ والعَمالَةِ والسُّكوتِ على الباطل ومداهنَةِ السُّلطان، ونحوِها منَ الطُّعون الفاجرَة الَّتي يُردِّدها الحركيُّون ومَن على شاكلتِهم؛ ومرَّةً تلميحًا كالتَّعريض بكبَر سنِّهم وأنَّهم يُلقَّنون، وأنَّهم لا يفقَهُون حقيقةَ ما يقَع، أو التَّشكيك في بطانتِهم، أو أنَّ أحكامَهم التَّجريحيَّة هي نتيجَة نزاعات نفسيَّة، وأنَّهم يُزكُّون مَن لا يعرفُون، ونحوها منَ المعايب القَبيحة الَّتي صار يلهَجُ بها مَن ينتَسبُ إلى السَّلفيَّة، ليجدَ لنفسِه مسوِّغًا لمعارضتِهم ومخالفتِهم؛ والضَّربِ بأحكامهم عرضَ الحائطِ، وليُقنع أتباعَه وليصرفَ وجوهَهُم عن العُلماء.

وإنَّ منَ العقُوبة الواقعَة على هؤلاء فضْحَ الله تعَالى لهم بكَشْف طعنِهم الَّذي تكتَّموا عليه في مجالسِهم الخاصَّة، وافتضحَ أمرُهم وتسرَّبت صوتيَّاتهم ونُشر كلامُهم، مع شدَّة التَّحفُّظ والإصرار على منع النَّشر، فكذَّبت أقوالُهم أفعَالَهم، وتحقَّقَ فيهم مقُولةُ «وعادَةُ الله في هتْكِ أسْتَار مُنتَقِصيهم معْلُومَةٌ»

إنَّ انتقاصَ العُلماء جُرمٌ عظيمٌ؛ لأنَّه يهزُّ الثِّقةَ بينَ الأمَّة وأدلاَّئِها الأثبَات، فلا تجدُ مَن يأخذُ بيَدها ويُنيرُ طريقَها، لهذَا كانَ منَ العَدل أن تهتزَّ الثِّقةُ بهذَا المُنتَقِص، وتنْفرَ منهُ القُلوب وتُعْرِضَ عنه الوجُوه؛ إعمالًا للقَاعدَة الأثريَّة «إنَّ الوقيعةَ في أهل الأثَر من عَلامَة أهل البدَع»

فالحذَرَ الحذَرَ ممَّن يتظاهَر بتَعظيم العُلماءِ، وهُو يُضمِر في نفسِه غير ما يُبدي، ويصفُهم بالوصفِ غير المرْضِيِّ، ويتوعَّدُهم بالسُّقوط من علِيٍّ، وليتَيقَّن هذَا المنتقِصُ أنَّ العيبَ لازمٌ له، والوهن واقعٌ به؛ لأنَّ غيبةَ العالم ليسَت كغِيبة غيرهِ؛ قَال أبو حنيفَة رحمه الله «إنَّ غِيبَةَ العُلمَاء تبقَى شَيْنًا في الخَلْق»، فاللَّهمَّ طهِّر قلوبَنا منَ الغلِّ، وألسنَتَنا منَ الغِيبَة والانتقَاص لعُلمائنَا الأبرَار.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 58»

ــــــــــــــــــــ

ترجمة المقال