راية الإصلاح - الاعتناء بالدين
أنت هنا:قضايا منهجية»الاعتناء بالدين

الاعتناء بالدين

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 331 مرة

 

لقد طغت علينا سيول المدنيَّة الجارفة الكاذبة، ومظاهر الحضارة الزَّائفة الخادعة؛ فأنسَتنا كثيرًا من حقائق ديننا الحنيف، وألهتنا طويلاً عن مهمَّات شريعتنا السَّمحة، واقتَلعت من قلوب كثيرٍ منَّا حبَّ الدِّين واحترامَه والغيرةَ عليه، والدِّفاع عنه والذَّبَ عن حياضه، وصرفت أبصارنا عمَّا بين أيدينا من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ، فتسمع وتقرأ يوميًّا في وسائل الإعلام المختلفة معالجةً لقضايا كثيرةٍ ومسائل مختلفة تعترض حياة المسلمين اليوم، فيتوارد المتدخِّلون ويتتابع المناقشون ويتكلَّمُ الأساتذة والدَّكاترة والمثقَّفُون والمختصُّون ولا تكادُ تسمَع أحدًا منهم يجمِّل كلامَه ويزيِّن منطقَه بإيراد نصٍّ من الوحي المنزَّل الَّذي تتشرَّف به هذه الأمَّة.

ومثال ذلك أنَّهم في كلِّ عام ينصبون يومًا أو أيَّامًا للحديث عن مرض فقدان المناعة (الإيدز أو السِّيدا)، فتُنفق السَّاعات الطَّويلة والأوقات الكثيرة في النِّقاش والكلام، فيلفتُ انتباهك أن لا أحد منهم يجري على لسانه مثل قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا[الإسراء:32]، أو غيرها من النصوص الناهية عن فاحشة الزنى، كأنَّهم يتحاشون حتَّى ذكر لفظ الزِّنى، ويستبدلونه بقولهم: علاقةٌ جنسيَّة أو اتِّصال جنسيٌّ ونحوها من العبارات المولَّدة المترجمة عن اللُّغة الأجنبيَّة، مع أنَّ في تسمية الأشياء كما وردت في القُرآن والسُّنَّة آثارًا طيِّبة على المتكلِّم والمخاطَب، وفيها تنبيهٌ للغافل، وتذكيرٌ للنَّاسي.

ثمَّ قد يتعدَّى آخرون فينصحون النَّاس بالحذر وأخذ الحيطة واتِّخاذ الأسباب الَّتي تجنِّبهم انتقال (الفيروس) عند الاتِّصال الجنسي، ولا يعرِّجون في كلامهم ـ ولو إشارةً ـ على أنَّ هذه العلاقة محرَّمة وممنوعةٌ في الشَّرع والدِّين، وهذا يؤول إلى الانحلال الخلقي، واستباحة ما حرَّم الله بطَريقة فيها كثيرٌ منَ المكر والدَّهاء، وتهوينٌ من شأنِ كبيرةٍ هي من أعظَم الكبائر الَّتي تعود بالضَّرر على الأمَّة أفرادًا وجماعات، فكان الأولى بهؤلاء النَّاصحين المشفقين على صحَّة أمَّتهم ـ إن كانوا حقًّا ناصحين ـ أن يعودوا إلى رُشدِهم، وأن يُدركوا أنَّ مخاطَبيهم ليسوا سوى أفرادٍ مسلمين، يؤثِّر فيهم سماعُ أوامر الشَّارع ونواهيه أكثر ممَّا يؤثِّر فيهم كلام طبيب حاذق أو أستاذ عارف أو أيِّ أحد من النَّاس؛ إنَّنا مسلمون ولا رادع لنا مثل الدِّين، فبالدِّين تُضبط الأنفس، وبالدِّين يُقمع الهوى، وبالدِّين تُهذَّب الغرائز.

فإذا أردنا إعداد أجيالنا للحياة الفاضلة، فلابدَّ من توجيه العناية بالدِّين وترسيخ هيبَتِه في قلوب النَّاشئة في جميع مراحل حياتهم بدءًا بالمراحل الأولى من الطُّفولة ثمَّ سنِّ المراهقة، إلى مرحلة الشَّباب، وهكذا حتَّى يتزوَّدوا بقسط وافِر من أحكام الدِّين وعقائدِه وآدابِه، ليكونَ حصنًا منيعًا في وجه الشُّبهات والشَّهوات، وصخرةً قويَّةً تتحطَّم عندها هجمات الانحراف، ووقايةً من السُّقوط في أوحال الفواحش والرَّذائل، فالنَّاشئ إذا شبَّ على الجهل بحقائق الدِّين سهل عليه التَّجافي عنه، والبُعد عن شرائعه وآدابه وأحكامه، حتَّى صرنا نسمع بمن يتخلَّى عنه إلى دين آخر، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.

وإنَّ ممَّا ينبغي أن يُعلم أنَّه لا يمكن أن نَنْعَم باستقامة أحوالنا إلاَّ إذا لزمنا الدِّين الصَّحيح المنزَّل من عند ربِّ العالمين على نبيِّه الأمين ﷺ من غير تحريفٍ ولا تبديل،  فمِن أعظم القبائح الجناية على الدِّين بأن نُلحق به ما ليسَ منه تحت أيِّ مسمًّى من المسمَّيات، فالمستلبون والتَّغريبيُّون يميِّعون أحكام الدِّين ويعطِّلون كثيرًا من نصوصه حتَّى لا يبقى منه سوى مظاهر يسيرة لا تكاد تميِّز بها بين مسلم وكافر بدعوى المصلحة والتَّجديد ومواكبة العصر، ويرفعون شعار التَّفتُّح وطرح الجمود على النُّصوص إلى حدِّ ترك الواجبات وإتيان المنهيَّات، وهذا مروقٌ من الدِّين،  وانصرافٌ عن أُسُسه وإبطالٌ لأحكامه.

كما أنَّ أصحاب الطُّرق الصُّوفيَّة يسطون على عقيدة التَّوحيد ويعتدون على مقام الألوهيَّة، فيعظِّمون مشايخَهم إلى حدِّ القداسة، ويتوجَّهون إلى القِباب وأضرحة الصَّالحين بالدُّعاء والتَّوسل، وفي هذا مساسٌ صريحٌ بصُلب الدِّين وخدش في عقيدة التَّوحيد، ممَّا يورِّث عندهم استهانةً بباقي الأحكام والشَّرائع.

إنَّ الدِّين إذا أُخِذ بغير الطَّريقة الَّتي أَخَذه بها السَّلف الصَّالح ـ رضوان الله عليهم ـ فثمرة ذلك اعوجاجٌ في الفكر والعقائد، وانحرافٌ في العبادات والسُّلوك؛ لأنَّ الغاية المرجوَّة من لزوم الدِّين هي نيل رضى الله تعالى، وإنَّ رضى الله قد تحقَّق لهؤلاء السَّلف كونهم فاقوا غيرهم في العلم والعمل بالدِّين الَّذي أنزله الله سبحانه، وشهد لهم الوحي بذلك، قال النَّبيُّ ﷺ: «خَيرُ النَّاسِ قَرنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»؛ فمَن كان مؤمِّلا خيرًا وراجيًا رضى الرَّبِّ ـ عزَّ وجلَّ ـ فما عليه إلاَّ أن يتحرَّى ويلزم الدِّين الَّذي استقام عليه هَؤلاء الأماجد، وبلَّغوا أنوارَ هدايته حتَّى شاع النُّور وعمَّ الحبور، ليَبلُغَ ما بلغوه من العزَّة والكرامَة والرِّفعة، ولله درُّ إمام دار الهجرة حين قال: «لا يُصلِحُ آخِرَ هذه الأمَّة إلاَّ ما أصلَحَ أوَّلَها».

وعليه؛ فإنَّ الأصوات النَّشاز في أمَّتنا الَّتي تدعو إلى إعادة صياغة الدِّين، باسم التَّيسير على النَّاس ورفع الحرج، وموافقَة روح العصر، فيلفِّقون أقوالاً ويركِّبُون أحكامًا ليسَت على مذهبِ أحدٍ من علماء السَّلف السَّابقين، بل تتبُّعٌ للرُّخص والزَّلل، وأخذٌ بالنَّادر والشَّاذِّ، فهم بذلك يُلحقون بالدِّين ما لحقَ بالشَّرائع المنسوخة من التَّحريف والتَّبديل والتَّغيير، وذلك بتأويل النُّصوص الصَّريحة ولَيِّ أعناقها بما يوافقُ الأهواءَ ويماشي الأذواق، وفي ذلك نخرٌ لمقاصد الإسلام ومناقضةٌ لأحكام الدِّين، وإنَّ صنيعَهم هذا صنفٌ من صُنوف كيد الأعداء شعَروا أو لم يشعُروا، ولله في خلقِه شؤون.

إنَّ مظاهر البدع والمحدثات من وسائل إضعاف الدِّين في نفوس النَّاس، ومن أشدِّ العقبات الَّتي تقف في وجه الرَّاغبين في لزومِه والاستقامةِ عليه، ذلك لأنَّ العقول السَّويَّة والفِطر السَّليمة تنفر من تلك المظاهر المشوِّهة لجمال هذه الشَّريعة الغرَّاء، فإنْ أردنا صَلاحًا وإصلاحًا فلا أفضل من تمثُّل كلمة الإمام مالك رحمه الله الرَّائعة: «فما لم يكُن يومئذ دينًا، لا يكون اليوم دينًا»، وبه يكون كلُّ حكم أو طريقة أو عبادة لم يكن عليها النَّبيُّ ﷺ وأصحابه ومعهم القرون المشهود لها بالخيريَّة ولم يتَّخذوها دينًا، فمِن غير الصَّوابِ جعلُها اليوم من الدِّين، بل هو خلاف الصِّراط المستقيم الَّذي أُمرنا بلزومه والاستقامة عليه؛ قال العلاَّمة ابن باديس رحمه الله في «تفسيره» (1/ 269): «وما ذلك الصِّراط المستقيم إلاَّ القُرآن العظيم، والهدي النَّبوي الكريم، وسلوك السَّلف الصَّالح، وذلك هو دين الإسلام».

والله الهادي إلى سواء السَّبيل وأقوم دين، ولا ربَّ سواه.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 23»