أنت هنا:قضايا منهجية»بحثٌ في البدعة بقلم الشيخ محمد السعيد الزموشي الصائغي -رحمه الله

بحثٌ في البدعة بقلم الشيخ محمد السعيد الزموشي الصائغي -رحمه الله

  • سمير سمراد
تم قراءة المقال 4625 مرة

 

بين يدي البحث:

 استكمالاً لما نشر سابقاً في مجلة الإصلاح عدد (10) من ترجمةٍ للشيخ (محمد السعيد الزموشي الصائغي)؛أحد رجالات جمعية العلماء، نقول: (لم نقرأ [للشيخ الزموشي] كتابات في المجلات والصحف الإصلاحية)(1)، وذلك راجع لأسباب منها: أنه (كان كثير التنقلات عبر الولاية الغربية)(2)، وكذا لنشاطه الفياض في بث الدعوة في أوساط الناس عن طريق الخطابة والوعظ، والاتصال بهم  عن قرب، كل هذا وغيره، حال دون مشاركته  ودعمه للدعوة بالقلم  والكتابة.

إلاّ أني وقفتُ على بضع مقالات، نشرتها له «الشهاب» - في مدة محدودة -، وذلك أيام طلبه للعلم بتونس، وعقب رجوعه إلى وطنه، وتخرجه من الكلية الزيتونية (سنة 1928م)، بإمضاء (محمد السعيد الصائغي).

وفي ظني أن الكثيرين ، لا يدركون أنها للشيخ (سعيد زموشي)، فإنه اشتهر بهذه التسمية الأخيرة، وقد وقع لي هذا الإبهامُ أولاً ، إلى أن فُكّ – والحمد لله تعالى-:

المقالة الأولى: بعنوان (بالأمس نرضى واليوم لا نرضى)،نشرت في [العدد(18)،السنة الأولى (ص:10-11)، 26شعبان1344هـ/11مارس1926م.]، والمقالة الثانية: (ضعف العزائم)، أمضاها من بلدته (عين البيضاء)، نشرت في:[العدد(20)،السنة الأولى،(ص:11-12)، 18رمضان1344هـ/1أفريل1926م.]

ومن تلكم المقالات :مقالة علميّة رصينة، أو بحثٌ علمي متين، في موضوع مهمّ للغاية، وقد أدّى سوء فهمه وعدم إدراك ماهيّته، إلى ضلال في الدين، وبُعد عن المحجّة البيضاء، ألا وهو موضوع: (البدعة المذمومة في الشرع)، فإن حقيقة الخلاف بين المصلحين ومن فارقهم من المبتدعين والجاهلين والمعاندين، يرتكز أساساً في فهم البدعة، التي هي ضلالة.

وأجمعُ كتابٍ جلّى حقيقته، ورسم حدوده، هو كتاب أبي إسحاق الشاطبي، الذي سمّاه «الاعتصام».

_ يقول الشيخ رشيد رضا(3): «.. وقد كتب كثير من العلماء في البدع ... وما رأينا أحداً منهم هُدي إلى ما هدي إليه (الشاطبي) من البحث العلمي الأصولي في هذا الموضوع ...»، ويقول:

«.. وكتاب "الاعتصام" لا ندَّ له في بابه، فهو ممتع مشبع ...».

     _ وقد كانت عناية الجمعية  بكتاب «الاعتصام» كبيرة، وقد استفادت منه، وعدَّته سلاحها في مواجهة البدع. وقد اعتمد عليه ابن باديس كثير، ونقل منه ومن كتابه الآخر «الموافقات»، في رده على شيخه ابن عاشور في مسألة (بدعية القراءة على الأموات)،فما بيّنه الشاطبي وقرّره من أصول في كتابيه، يمثل ـ بحقّ ـ المنهج السلفي في رد البدع ، ومعرفة ما هو بدعة وما هو سُنَّة:

_ يقول الشيخ ابن باديس : «أما أبو إسحاق الشاطبي فقد صار يوصَم عند بعض أنصار البدعة والمتأولين لها بالشذوذ وما ذنبه عندهم إلا نصرته للسنة بكتابه الفريد في بابه كتاب «الاعتصام» وبفصول من كتابه الفريد الآخر كتاب «الموافقات».

ولقد كنا أيام الطلب بجامع الزيتونة - عمره الله - نسمع من شيوخنا كلهم الثناء العاطر على هذا الكتاب وصاحبه وكانت له عندهم منزلة عظيمة.  ... فليت شعري ماذا يقول المتأولون للبدع والمنكرات - مثل فضيلته (يعني:شيخَه ابن عاشور) - فيه اليوم وقد أصبح حجة للمصلحين»(4).

- ويقول في موضع آخر: «و قد بلغني أن كتاب «الموافقات» قد قرر تدريسه بالجامع - عمره الله - وأنَّ الذي يدرسه للشيوخ هو الشيخ عبد العزيز جعيط أحد المفتيين المالكيين ... ولعله مر في درسه على هذا الفصل الذي نقلناه من الموافقات في تقرير الأصل المتقدم أو قاربه. فماذا قال أو يقول فيه؟ إنَّ هذا الأصل وهو أن ما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع قيام المقتضى فالدين تركه والزيادة عليه بدعة مذمومة مخالفة لمقصد الشارع - هو حجة المصلحين في رد بدع الغالين والمتزيدين ...»(5).

_ وفي رسالة خطية بعث بها  الإبراهيمي - وهو بمنفاه بـ(آفْلُو) - إلى تلميذه الشيخ أحمد بن أبي زيد قصيبة الأغواطي ... وفي طياتها يجيبه طلبه؛ حيث سأله أن يذكر له جملة من الكتب الأصول، قال الإبراهيمي بعدما ذكر مجموعة من كتب الأدب واللغة، وكتب السيرة وغيرها:

«...كتاب  الاعتصام للشاطبي. وهو أكمل كتاب في  تحرير معنى البدعة والسنة».

* وقد قام عالمنا "الشيخ زموشي"، بتلخيص أهم مباحث الكتاب، فأتى على خلاصته ، بأسلوب سهل وميسور، ونشر في "الشهاب" تحت عنوان: (بحثٌ في البدعة)، وهو مفيدٌ للغاية، يحسن بكل مسلم الاطلاع عليه، والاستفادة منه.

و قد تضمّن البحث:

- تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة (الرد على التقسيم).

- تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية (الفرق بينهما).

- ذم البدعة وصاحبه من جهة النظر.

* ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر أنَّ هذا البحث قد نشر في زمان إعلان المصلحين بالدعوة، وسلّهم سيف الإنكار على الطرقيين المبتدعين، الذين سمّوا أنفسهم (أهل الاعتقاد)، وفي الوقت نفسه لمزوا منتقديهم بأنهم: (أهل الانتقاد).

وقد عملت الطرقية، على أخذ أتباعها بنزعة (التسليم والانقياد) للشيوخ وأرباب الطريقة، وحرمت عليهم (الاعتراض) و(الإنكار)، لتروّضهم على الطاعة العمياء لهم، يقول قائلهم:

فلا تعترض يوما عليه فإنه    كفيل بتشتيت المريد على هجر

و من لم يوافق شيخه في اعتقاده     يظل من الإنكار في لهب الجمر.

و يقول العلاّمة الطيّب العقبي، في وصف هذه الحالة (سنة 1925م): «... و إذا دعانا جاهلٌ لخرافة يقدسها وبدعة يخترعها طرنا لمؤازرته وتلقينا بالقبول والتسليم ضلالته، ونسبنا كل ذلك إلى الدّين وقلنا:سلم تسلم، والاعتقاد ولاية والانتقاد جناية ..»(6).

و لهذا أَعْمل المصلحون فؤوس الهدم  في هذه الأوضاع الطرقية المبتدعة، ودعوا إلى العلم، وإلى تحكيم الدليل، والمطالبة به. ذكرتُ هذا لتفهمَ ما ختم به الشيخ الزموشي بحثه.

 وهاهو كما نُشر منذ نحوٍ من قرنٍ من الزمان؛ (80سنةً)["الشهاب"،س4، العدد (164)، 6ربيع الثاني1347هـ -20سبتامبر1928،(ص:6-10)]، والله الهادي إلى سواء السبيل.

بحث في البدعة

«اختلف العلماء في تقسيم البدعة إلى قسمين حسنة وقبيحة، فمنهم من أجاز هذا التقسيم ومنهم من منعه، ومن المجيزين لهذا: عز الدين بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء، وتبعه تلميذه القرافي على ذلك، وأدخل أقساماً أخرى تحت كل قسم، وأنتج أنها تعتريها الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة، وحد كل قسم مع مثال أو أمثلة(7).

 ولنبدأ بالقسم الأول:

البدعة الواجبة: حدها ما تناولتها قواعد الوجوب وأدلته من الشرع. مثالها: جمع القرآن وتدوينه في المصاحف وجمع الناس على المصاحف العثمانية وترك ما سوى ذلك من القراءات التي كانت مستعملة زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالجملة كل ما حدث مما يرجع إلى حفظ الدين أو إلى تفهمه كالتفقه فيه.

- القسم الثاني:

البدعة المندوبة: حدها ما تناولتها قواعد الندب وأدلته من الشرع كصلاة التروايح على الهيئة المعروفة من مواظبة الناس عليها الشهر كله عشرين ركعة كل ليلة واجتماعهم على قارئ واحد فإن هذا كله لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا على عهد أبي بكر رضي الله عنه ولا على صدر من خلافة عمر رضي الله عنه إلى أن تشاور فيه، ورآها بدعة حسنة ندب فعلها. حتى روي(8) عن علي كرم الله وجهه قال: «نور الله قبرك يا ابن الخطاب كما نورت مساجد الله بالقرآن».

- القسم الثالث:

البدعة المباحة :حدها ما تناولتها قواعد الإباحة وأدلتها من الشرع، كالأكل بالملاعق والتوسع في الملبس والمشرب.

- القسم الرابع:

البدعة المحرمة: حدها ما تناولتها قواعد الحرمة وأدلتها من الشريعة، كالانتماء إلى جماعة من الدجالين الذين يزعمون التصوف، وهم يخالفون ما كان عليه القوم من الورع والزهد في حطام الدنيا والوقوف عند حدود الشريعة [مع الجهل بأحكامها](9) والتخلق بأخلاقها وآدابها والعمل بمقتضاه، ولا هم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

- القسم الخامس:

البدعة المكروهة: حدها ما تناولتها قواعد الكراهة وأدلتها من الشرع، كتخصيص الأيام الفاضلة بنوع من العبادة، إذ ليس لأحد أن يحدث شعاراً دينياً من قبل نفسه، وشأن العبادة إذا التزمت في وقت مخصوص أن تكون من شعائره، وكذا ورد في الصحيح ما أخرجه مسلم(10) وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم وبعده يوم» رواه الكل إلا النسائي(11). ومنها الزيادة المحدودة شرع، كما ورد في التسبيح عقب الصلاة ثلاثاً وثلاثين فيسبح مائة(12)، وأمثالها في زمننا لا تحصى. هذا ملخص ما قاله عز الدين وتلميذه.

-الرد عليهما من طرف العلامة الشاطبي:

قال الشاطبي(13): «إن هذا التقسيم لا يدل عليه العقل ولا الشرع، أما العقل فلا يقدر أن يحكم على الشيء بدعة وحسنة إذ في مفهومه القبح، وأما الشرع فحقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشريعة ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كانت بدعة أصل، ولكان العمل به داخلاً في الأعمال المأمور بها أو المخير فيه، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدع، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين. نعم المحرم والمكروه منها مسلم من جهة كونه بدعاً لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية. بقيت أمثلته للبدعة الواجبة والمندوبة والمباحة، أعطى فيها قاعدة هي أن ما فعله الخلفاء الراشدون ولم يكن موجوداً فهو لا يخرج عن أمرين، إما لم يوجد المقتضي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ووجد في عهد الخلفاء الراشدين كجمع المصحف، أو كان المقتضي موجودا في عهده صلى الله عليه وسلم ومنع من ذلك مانع كصلاة التراويح، فإن المانع من إقامتها جماعة والمواظبة عليها خوف الفرضية، فلما زال المانع بانتهاء زمن الوحي صح الرجوع فيه إلى ما رسمه صلى الله عليه وسلم حال حياته، وبهذا الأصل يعلم غرض الصحابة رضوان الله عليهم وفهمهم للشريعة السمحة.

(تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية أصل عظيم في فهم السنة من البدعة)

من أحسن الفروق التي تنفع المسلم، والتي يجب عليه إذا أراد أن ينتصر إلى ملته ودينه ويعبد الله عبادةً شرعية سلفية: الفرق بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية، وإنه والله أصل عظيم لو فهمه المسلمون لما بلغ الجدال إلى هذا الحد، ولتفاهموا بسهولة إلا من لم يهده الله.

و الفرق(14): أن البدعة الحقيقية ما كان الابتداع فيها من جميع وجوهه، فهي بدعة محضة، ليست فيها جهة تندمج فيها السنة الكريمة. أو هي التي لم يدل عليها دليل عقلي ولا شرعي ولا قياس ولا إجماع لا في الجملة ولا في التفصيل، ومن أمثلتها: التقرب إلى الله تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعية إليه وفقد المانع الشرعي، ومنها تحكيم العقل ورفض النصوص الشرعية، وغيرها مما لا شائبة فيه مما ذكرنا. وهذه والحمد لله لم نر مسلماً متصفاً بها، فذكرها من قبيل ذكر النظير ليس غير.

و إنما الداهية الدهماء، والمصيبة العظمى، التي انغمس فيها المسلمون انغماسا عظيم، باشتباه أمرها عليهم، فزلّت قدمهم وكثرت مصائبهم وعظم أمر البدعة فيهم، فجاء الانقسام وانحلت عرى الاتحاد  جاءت بعدها كلمة العذاب. فإليك حقيقتها أيها المسلم لتتقي شرها:

 هي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية. ولما لم يتخلص لأحد الطرفين وضع له هذه التسمية.

هذا فرق من جهة النظر، وهناك فرق بينهما من جهة المعنى، هو أن الثانية قام دليل عليها(15) من جهة أصله، ولم يقم عليها دليل من جهة كيفياتها ولا أحوالها. والأولى لم يقم عليها دليل لا من جهة أصله، ولا من جهة كيفياتها وأحوالها.

ومثال الإضافية: الصلاة في الأوقات المكروهة، فإنها وإن شرعت باعتبار أصله، فهي غير مشروعة باعتبار ما عرض لها من الشبه بعباد الشمس- ومنها الاستغفار عقب الصلاة على هيئة الاجتماع ورفع الصوت، فالاستغفار أصله سنة، وباعتبار ما عرض له صار بدعة. وقس ما شئت أن تقيس.

و بهذا تعلم أيها المسلم الذي يغار على دينه، والذي لأجله يفنى البنين والأموال، أن من ينكر البدعة إنما ينكرها بالاعتبار العارض لا باعتبار التجويز، فالاعتراض عليه منشأه عدم الدراية بالفرق.

و صاحب البدعة الإضافية قد خلط عملاً صالحاً وآخر سيئ، وهو يرى أن الكل صالح فلا يدخل في عداد من ترجى توبته لأنه لا يرى لنفسه ذنباً حتى يتوب منه بل يرى كل ما يعمله حسن، ولا توبة لمن لم يعرف لنفسه ذنباً. ولهذا قال سفيان الثوري رضي الله عنه: "إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها"(16) ومعنى أن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، قد زين له سوء عمله فرآه حسن، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ، لا يتوب منه.

فمن يرى فعله حسناً وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبة ممكنة، فالله قادر على هدايته حتى يتبين له الحق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيماً﴾.

ذمّ البدعة وصاحبها من جهة النظر

الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة والنقصان لقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، ولحديث العرباض ابن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلين، قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك. من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكن بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»(17).

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتي بما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا وهذا لا مخالف فيه من أهل السنة رضي الله عنهم.

وإذا كان كذلك فهذا المبتدع يقول إن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكه، ضرورة أنه لو كا معتقداً لكمالها لم يبتدع ومعتقد هذا لا شك ضال عن الصراط المستقيم. قال ابن الماجشون: سمعت مالكاً يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة فيراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول: اليوم أكملت لكم دينكم، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً».

وأيضاً إن المبتدع معاند للشرع لأن الشارع عين لمطالب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة وقصر الخلق عليها قصراً حقيقياً وكان ذلك بواسطة الأمر والنهي والوعد والوعيد بل زاد قائلاً إن الخير فيها والشر في تعديها إلى غيره، فالمبتدع راد لهذا إذ يزعم أن هناك طريقاً آخر وليس ما حصره الشرع بمحصور ولا ما عينه بمتعين...](18) ورضي الله عن عمر بن عبد العزيز إذ يقول في جوابه الذي وجهه إلى عدي بن أرطأة حين استشاره في أمر القدرية – وقصدنا منه كلمة واحدة هي قوله: «إن السنّة إنما سنّها من قد عرف ما خلافها من الخطأ والزلل والحمق »(19).

فنحن إذا أردنا النجاة يجب أن نعمل بأقوال أئمتنا الأعلام، أو أردنا المناظرة فلتكن بطرق العلم لا بطرق الاعتقاد، وآخر القول: يجب علينا بصفة كوننا مسلمين أن ندافع عن الإسلام قبل أن ندافع عن الطريقة، والله الموفق للصواب.

محمد السعيد الصائغي

---

1 -  " تأسيس ونشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في عمالة وهران (1931-1935م)" لمحمد القورصو (ص: 51).

2 -  المصدر السابق.

3 - مقدمة تصحيح كتاب"الإعتصام" للشيخ رشيد رضا.

4 -  "آثار ابن باديس"(3/297-298).

5 -  "آثار ابن باديس"(3/298).

6 - جريدة " المنتقد"، مقال (الدين والاجتماع)،العدد (6) (أوت 1925م).

7 -  انظر: "الاعتصام" ( فصل:تقسيم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام) (1/313-321 _ تحقيق:الشيخ مشهور بن حسن).

8 -  يُنظر من ذكر هذا الأثر، ومن خرّجه؟

9 -  هكذا وردت هذه الجملة معترضة هن، وهي تشوش على القارئ،وإن كانت تعود على الذين (يخالفون) الأولين.

10 - رواه مسلم (كتاب الصيام،باب كراهة صيام يوم الجمعة منفرداً)(رقم:1144).

11- رواه: البخاري (رقم:1985-فتح الباري)، ومسلم (رقم:1144)، وأبو داود (رقم:2417-عون المعبود)، والترمذي (رقم:740-تحفة الأحوذي)، وابن ماجه(رقم:1723-حاشية السندي).

12 - نصُّ عبارة الشاطبي(1/316) كالآتي: ( الزيادةُ في المندوبات المحدودات،كما ورد في التسبيح عقيب الفريضة ثلاثاً وثلاثين،فتُفْعل مئةً،..).

13 - انظر: (رد الشاطبي) في:"الاعتصام"(1/321-فما بعدها _ تحقيق:الشيخ مشهور بن حسن).

14 - انظر: "الاعتصام" (الباب الخامس:في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما) (2/127-129 _تحقيق:الشيخ مشهور بن حسن).

15 -  وردت في مطبوعة جريدة "الشهاب" :"عليهما"، وصوّبتها.

16 -  رواه: ابن الجعد في "مسنده" (رقم 1885)، واللالكائي في "الاعتقاد" (1185)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/26).أفدته من كتاب"علم أصول البدع" للشيخ علي الحلبي(ص:218).

17 - توسّع في تخريجه :الشيخ مشهور بن حسن في تحقيقه لكتاب"الاعتصام"(1/60-61)، وهو بهذا اللفظ في "سنن ابن ماجه"(المقدمة)، وصححه الشيخ الألباني برقم (41).

18 -  ما بين المعقوفتين: نصُّ عبارة "الاعتصام" (1/61-63).

19 - رواه ابن وضّاح في (كتاب فيه ما جاء في البدع) (رقم:74)،و لفظه: (فإن السنّة إنما سنّها من علم ما في اخْتلافها من الخطأ والزلل  والحُمْق والتعمّق...)،قال محققه (الشيخ بدر البدر) (ص:73): "إسناده صحيح...وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (5/338) من طريق آخر بإسناد صحيح..".