أنت هنا:قضايا منهجية»الإِلْمَاعَة في بَيَان مَعْنَى لُزُومِ الجَمَاعَة

الإِلْمَاعَة في بَيَان مَعْنَى لُزُومِ الجَمَاعَة

  • حسن أيت علجت
تم قراءة المقال 2469 مرة

 

إنَّه لا يَخْفَى على مَن اِطَّلعَ على مَوَارِدِ الشَّريعةِ ومَصَادِرِهَا، مَدَى أهمِّيَّةِ لُزُومِ الجَمَاعَة، وحَثِّ الشَّارِعِ على هذا الأمْرِ الجَلَلِ، فقد تضافَرَتْ بذلك الآيُ والأخبارُ، والأحاديثُ والآثارُ، ودوَّنَ ذلك الأئمَّةُ في مُصَنَّفَاتِهِم، سيَّمَا ما تعلَّقَ مِنْها بمسَائِلِ الاِعْتِقَاد، فلا يَكَادُ يخْلُو كِتَابٌ في العقيدة من تَقْريرِ ذلك وبَيَانِه.

بَلْ نُسِبَتِ العقيدَةُ الصَّحِيحَةُ الحَقَّةُ إلى مَنْ لَزِمَ الجماعَةَ؛ فَقيلَ: «عقيدَةُ أهْلِ السُّنَّة والجماعة».

من أجْلِ هذا وذاك، تعيَّن بيانُ مفهومِ لُزومِ الجماعَةِ، وتحديدُ معناهُ على ضوْءِ اللُّغة والشَّرْع.تُطْلَقُ الجماعَةُ لُغَةً على العَدَد الكثيرِ من النَّاس، والشَّجر، والنَّبات، وعلى طَائفَةٍ من النَّاس يجمعُها غَرَضٌ واحِدٌ.

وهي اسْمُ مَصْدَرٍ من اِجْتَمَعَ، يَجْتَمِعُ، اِجْتِمَاعًا(1).

قال الشَّيخُ ابنُ عثيمين في «شرح الواسطية» (1/52): «أَصْلُ كلِمَةِ «الجَمَاعَة» هو بمعنى الاجتماع، فهي اسْمُ مَصْدَرٍ، ثُمَّ نُقِلَتْ مِنْ هذا الأصْلِ إلى القَوْمِ المُجْتَمِعينَ». أمَّا فِيمَا يخُصُّ المعْنَى الشَّرعيَّ، فقَدْ تعدَّدَتْ تفاسيرُ العُلَمَاءِ لهذه الكلمة، تبعًا لتنوُّع النُّصوص الوَارِدَة في شأنها وقد جمَعَهَا الإمامُ الشَّاطبي رحمه الله في كتابِهِ المِعْطَارِ «الاعْتِصَام»(1/478 ـ 480) فبَلَغَ بِهَا خمْسَة تفاسير:

الأول: أنَّها السَّوادُ الأعْظَمُ مِنْ أهل الإسلام، ويدْخُلُ فيهم العُلَمَاءُ المجتهدون مِنْ بَابِ أوْلى.

الثاني: أنَّها جماعَةُ أئمَّةِ العُلَمَاءِ المجْتَهِدين.

الثالث: أنَّها أصْحَابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهُمْ سادَاتُ العُلَمَاءِ وقُدْوَتُهُم رضي الله عنهم.

الرَّابع: أنَّها جماعَةُ المسلمين إذا اجْتَمعوا على حَاكِمٍ.

الخامس: أنها جماعة أهْلِ الإسْلاَمِ إذا أجْمَعوُا على أمْرٍ، تعيَّن على غيْرِهِمْ مِنْ أهْلِ المِلَلِ أنْ يتَّبِعُوهُم فيه.

والتَّحقيقُ في هذه المسْأَلَةِ ـ وبِهِ تجْتَمِعُ هذِهِ الأقْوَالُ كُلُّهَا ـ أنَّ الجَمَاعةَ تُطْلَقُ على أمرَيْنِ(2).

الأوَّل: البِنَاءُ والكَيَانُ.

والثَّاني: المَنْهَجُ والطَّرِيقَةُ.

* فعلى الإطْلاَقِ الأوَّلِ وهو «البِنَاءُ والكَيَانُ»: يَكونُ المعنى أنَّ المسلمين إذا اجتمعوا تحْتَ حَاكمٍ صاروا جماعةً يَجِبُ لُزومُها، ويَحْرُمُ مُفارقَتُها، والخُروجُ عليها.

وهذا هو المعْنَى المقصود ُفي الحديث الَّذي رواه البخاريُّ (6691) ومسْلِمٌ (3523) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ؛ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَ»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمـَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

مَوْطِنُ الشَّاهِدِ في هذا الحَدِيثِ هو قوْلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمـُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»؛ حَيْثُ جَعَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المسْلِمِينَ المُجْتَمِعينَ على حَاكِمٍ، جَمَاعةً يَتعيَّنُ لزومُها، وعَدَمُ الخُرُوجِ عَليْها.

وقد نَقل الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في «الفتح» (13/37) عن ابن بَطَّال أنَّه قال عند كَلاَمِه على هذا الحديث في شرحه لـ«صحيح البخاري»: «فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاء فِي وُجُوب لُزُوم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّة الْجَوْرِ» اهـ.

وفي هذا المَعْنَى أيضًا جاءَتْ لفظةُ «الجَمَاعَة» في حديث «الصَّحيحَيْن» عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ؛ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».

ومِنْ بَابَتِهِ أيْضًا، حديثُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَعَصَى إِمَامَهُ وَمَاتَ عَاصِيًا...» الحديث(3).

ومِمَّا يجْدُرُ التَّنْبيهُ إليْهِ، أنَّ الجماعةَ بهذا الإطْلاَقِ قدْ تتخلَّفُ؛ فلا توجَدُ في زمَنٍ مِنَ الأزْمَانِ، وهو زَمَنُ الفِتَنِ، بِدَليلِ مَا جاءَ في حديثِ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه الآنِفِ الذِّكْرِ، حيْثُ سَألَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ـ وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ـ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

* أمَّا الإطلاقُ الثَّاني للجماعَةِ فهو «المَنْهَجُ والطَّرِيقَةُ»: فيَكُونُ لُزومُ الجمَاعَةِ مِنْ هذه الحَيْثِيَّةِ، هو لُزومُ جماعَةِ أهْلِ الحَقِّ الَّتي تسيرُ وَفْقَ ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُه رضي الله عنهم.

وفي هذا المعْنَى جاءَ الحديثُ الَّذي روَاهُ البخاري (6484) ومسلم (1676) عَنْ ابْنِ مسعودٍ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؛ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»، فلفْظُ «الجَمَاعَة» هنا، وإنْ كانَ المقصودُ بِهِ أهْلَ الإسْلامِ على سبيل العُمُوم ـ وهم أهْلُ الحَقِّ بالنَّسْبَة إلى غيْرِهِم مِنْ أهْل المِلَلِ الباطلة ـ؛ إلاَّ أنَّ هناك معنًى خاصَّا لِلَفْظِ «الجماعة» ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ، وهو: أهْلُ السُّنَّة والاتِّبَاعِ؛ إذْ قال الإمامُ النوويُّ رحمه الله في «شرْحِهِ على مسلم» (11/165): «قَالَ الْعُلَمَاء: وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا كُلّ خَارِجٍ عَنْ الْجَمَاعَة بِبِدْعَةٍ، أَوْ بَغْي، أَوْ غَيْرهِمَا، وَكَذَا الْخَوَارِجَ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.

وزاد هذا المعْنَى توْضيحًا الإمامُ أبو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رحمه الله في  «المُفْهِمُ لمِاَ أَشْكَلَ من تَلْخِيصِ كتاب مسْلِمٍ» (15/121) فقال عِنْدَ شَرْحِهِ لهذا الحديث: «غَيْرَ أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ في هذا الوَصْفِ، كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَة المُسْلِمِينَ ـ وإنْ لم يَكُنْ مُرْتَدًّا ـ كالخوارج، وأهْلِ البِدَعِ ـ إذا منَعُوا أنْفُسَهُم مِنْ إقَامَةِ الحَدِّ عليهم، وقاتلوا عليه ـ وأهْلُ البَغْيِ، والمُحَارِبُون، ومَنْ أشْبَهَهُمْ؛ فيَتَنَاولُهُم لفظُ: «الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» بحُكْمِ العُمُومِ»...إلى أنْ قالَ: «وتَحْقِيقُهُ: أنَّ كُلَّ مَنْ فارَقَ الجماعَةَ يَصْدُقُ عليه أنَّه بَدَّل دينَهُ؛ غيرَ أنَّ المرتَدَّ بدَّلَ كُلَّ الدِّين، وغيرُه من المُفَارِقِينَ بَدَّل بَعْضَهُ» اهـ.

وأصْرَحُ ما جاء في هذا المعْنَى، ذلك الحَدِيثُ المرويُّ عن عَوْفِ بْنِ مالكٍ الأشْجَعِيِّ رضي الله عنه أنَّصلى الله عليه وسلم قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ؛ وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»؛ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»(4).

وبالنَّظَرِ إلى الاشْتِقَاقِ اللُّغَويِّ للفْظَةِ «الجماعة»، فإنَّه يَكُونُ مَعْنَاها حِينَئِذٍ: القَوْمُ المُجْتَمِعُونَ على الحقِّ.

ولاشكَّ أنَّ أَوْلى النَّاسِ بهذا الوَصْفِ، وأَسْعَدَهُم به، هُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُه رضي الله عنهم؛ لهذا جاء تفسيرُ «الجَمَاعَة» في رِواية أُخْرَى لهذا الحديث بأنَّها: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(5).

ثُمَّ بعْدَ هَؤلاءِ تَكُونُ الجماعةُ هِيَ أَئِمَّةَ العُلَمَاءِ الَّذينَ سَلَكوا سبيلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وأصْحَابِه البَرَرَةِ رضي الله عنهم، في كُلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، لأَنَّهم أَعْلَمُ النَّاس بالحَقِّ الَّذي كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه رضي الله عنهم، وأَشَدُّهُم اجْتِمَاعًا عليه.

ومِنْ تَراجِمِ الإمامِ البُخاريِّ في «صحيحه»  وفِقْهُ البخاريِّ في تَرَاجِمِه ـ قوْلُهُ: «باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، ومَا أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلُزومِ الجماعة: وهُم أهْلُ العِلْمِ»(6).

وقال الإمامُ التِّرمذيُّ في «سننه» (4/467): «وَتَفْسِيرُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُمْ: أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ» اهـ.

ومِمَّا يُعَضِّدُ هذا، ما رواه الحافظ أبو نُعَيْمٍ الأصْبَهانيُّ في«حِلْيَةِ الأوْلِيَاء» (9/238 ـ 239) أنَّ الإمامَ العَلَمَ إسحاقَ بْنَ إبراهيمَ الحنظليَّ المَرْوَزِيَّ  ـ المعْروفِ بابْنِ رَاهَوَيْه ـ (ت 238) سُئِلَ عن معْنَى السَّوادِ الأعْظَمِ الَّذي فُسِّرَتْ به الجماعةُ، فقال: «مُحمَّدُ بنُ أسْلَم، وأصحابُه، ومَنْ تَبِعَهُم»، ثمَّ قال: «سألَ رَجُلٌ ابْنَ المبارك: مَنِ السَّوَادُ الأعْظَمُ؟ قال: أبو حمزة السُّكَّريِّ«(7).

ثمَّ قال إسحاق: «في ذلك الزَّمانِ (يعني: أبا حمزة)؛ وفي زمَانِنَا: مُحمَّدُ بنُ أسْلَمَ(8) ومَنْ تَبِعَهُ»، ثمَّ قال إسحاق: «لوْ سألْتَ الجُهَّالَ عن السَّوَادِ الأعْظَم لقالوا: جماعَةُ النَّاس...! ولا يَعْلَمُونَ أنَّ الجَمَاعَةَ: عَالِمٌ مُتَمَسِّكٌ بأثَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وطَرِيقِه؛ فَمَنْ كان معَه، وتَبِعَهُ فهو الجماعَةُ، ومَنْ خَالَفَهُ فيه تَرَكَ الجَمَاعَةَ».

ثمَّ قال إسحاقُ: «لَمْ أسْمَعْ عالِمًا مُنْذُ خَمْسينَ سَنَةً، كان أشَدَّ تَمَسُّكًا بأثَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من محمَّدِ بن أسْلَمَ»(9).

فتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ أئمَّةَ السُّنَّةِ ومُقَدَّمِيهَا، قَدْ نَالُوا مِنْ هذا الوَصْفِ حَظًّا وافِرًا؛ فهُمُ الجماعةُ الَّتي يتعيَّنُ لزومُها، والطَّائفةُ الَّتي يُرْجَعُ إلى فُهومِها.

والجمَاعَةُ بهذا الإطلاق لا تتخلَّفُ أبَدًا، فهي باقِيَةٌ إلى قِيَاِم السَّاعَة، كما ثبت في «صحيحِ مسلمٍ» (1920) عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».

وفي البخاري (6881) ومسلم (1921) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».

وقَدْ ترْجَمَ الإمامُ البُخاريُّ : لهذا الحديثِ بِقَوْلِهِ: «بابُ قوْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ» وهم: أهْلُ العِلْمِ».

قال الحافظ في «الفتح» (13/293): «قَوْلُه: «وَهُمْ أَهْل الْعِلْم» هُوَ مِنْ كَلاَمِ الْمُصَنِّف؛ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ الْبَاب، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّد ابْنَ إِسْمَاعِيل ـ هُوَ الْبُخَارِيُّ ـ يَقُول: سَمِعْت عَلِيّ ابْن الْمَدِينِيّ يَقُول: هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيث»...

إلى أنْ قال: «وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي «عُلُوم الْحَدِيث» بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَحْمَد: «إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْل الْحَدِيث فَلاَ أَدْرِي مَنْ هُمْ؟!»، وَمِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون مِثْلَهُ». اهـ

* ونستَنْتِجُ من هذا كُلِّه ما يلي:

1 ـ أنَّ المعْنى الأوَّلَ لِلُزُومِ الجماعة، هو لُزومُ ما كان عليه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الكرامُ رضي الله عنه، ولا يَتِمُّ ذلك إلاَّ بلُزُومِ أهْلِ العِلْمِ المُجْتَهِدِين مِمَّنْ عُرِفُوا باتِّبَاعِ السُّنَّة وقَفْوِ الأثَرِ.

2 ـ أنَّ المعْنى الآخرَ للزُومِ الجماعة، هو لُزومُ الحاكِم الَّذي اجْتمَعَ عليه المسلمون، وطاعَتُه في المعروف، وعَدَمُ الخُرُوج عليه؛ وهذا سواءً كان تولِّيه بالاخْتِيَارِ، أو بالقَهْرِ والغَلَبَةِ.

3 ـ أنَّ أسْعَدَ النَّاسِ بلُزُوم الجماعة هم المُسْتَقِيمُون على السُّنَّة، والمُلازِمُون لطاعة وُلاَةِ الأُمُور في المعروف.

4 ـ أنَّ أشْأمَ النَّاس وأَبْخَسَهُم حَظًّا مِنْ لُزوم الجماعة، هُمْ أهْلُ البِدَع المُضِلَّة، والأهْوَاءِ الرَّدِيَّةِ، الَّذين تَنَكَّبُوا مَنْهَجَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ الكِرَام رضي الله عنهم في العِلْم والعَمَل.

5 أنَّ مِنْ أخصِّ ـ وأخَسِّ ـ أهْلِ البِدَعِ انْحِرَافًا عَنْ هذا المعْنَى هم الخوارجُ؛ لأنَّ خروجَهُم عن الجماعة من جِهَتَيْن:

  الأولى: مُخَالَفَتُهم لطريقة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابِه الكرام رضي الله عنهم، ومَنْ سار على نَهْجِهِم مِن العُلَمَاءِ الرَّبَّانيِّين؛ في الإصْلاحِ والتَّغْييرِ.

الثَّانية: خُروجُهُم عن الحَاكِمِ الَّذي اجْتَمَعَ عليه المسْلِمُون.

من أجْلِ ذلك وصَفَهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّهم: «شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ»(10).

وقَدْ ترْجَمَ الإمامُ النَّوويُّ للباب الَّذي عَقَدَهُ الإمَامُ مُسْلِمٌ في «صحيحه» في ذِكْرِ الخَوَارِج بقوْلِه: «بابٌ: الْخَوَارِجُ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ».

واللهُ الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبيل، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيل.


(1)   انظر: «المعجم الوسيط» (1/281)، «لسان العرب»(8/53).

(2)   انظر: «الغُلُوُّ في الدِّينِ في حياة المسلمين المعاصرة» رسالة ماجستير لعبد الرَّحمن بن مُعَلاَّ اللّويحق (ص203) ـ ط: مؤسسة الرِّسَالة.

(3)   صحيح: أخرجه أحمد (23943)، والبخاري في «الأدب المفرد» (590). انظر: «الصَّحيحة» (542).

(4)   صحيح: رواه ابن ماجة (3992) وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (63). انظر: «الصَّحيحة» (1492).

(5)   حسن لغيره: رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، انظر: «صحيح سنن الترمذي» (2641).

(6)   كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، [«فتح»: (13/316)].

(7)   محمَّد بن ميمون المروزي، الحافظُ الإمامُ الحُجَّة، سُمِّيَ: السُّكَّرِيَّ، لحلاوة كلامه، روى له الجماعة، توفي سنة (167) على الأصَحِّ. انظر: «سِيَرُ أعْلام النُّبَلاء» للذَّهبي (7/385).

(8)   ابن سالم بن يزيد الطُّوسي، أبو الحسن، الكندي مولاهم الخراساني، الإمام الحافظ الرَّبَّانيُّ، شيخ الإسلام؛ مولده في حدود (180)، ووفاته في (242)، انظر: المصدر السابق (12/195).

(9)   رواه بهذا اللَّفظ الذَّهبيُّ في «السِّير» (12/196) بسنده إلى أبي نعيم، وبه ـ أيضًا ـ عزاهُ إلى «الحلية» الشَّاطبيُّ في «الاعتصام» (1/482)؛ ولفظُه في المطبوع من «الحلية»: «لم أسْمَعْ عالمًا منذ خمسين سنةً أعْلَمَ من محمَّد بن أسلم».

(10)  رواه مسلم(1067).