أنت هنا:قضايا تربوية»تحذيـر الإخـوان مـن هـجـران الـقـرآن

تحذيـر الإخـوان مـن هـجـران الـقـرآن

  • نجيب جلواح
تم قراءة المقال 6126 مرة

 

أنزل الله تعالى على سيِّد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم خير كتبه وأعظمها ـ القرآن الكريم ـ؛ فيه الهدى والنُّور: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم[الشورى:52].

وأمر الله تعالى عباده أنْ يتمسَّكوا به ليهتدوا، وإلاَّ كانوا في ضلالٍ مبينٍ، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾[آل عمران:103].

وحبلُ الله الممدود مِن السَّماء إلى الأرض: هو القرآن العظيم، وبه فسَّره رسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فعن زيد بن أرقم ـ مرفوعًا ـ: «كِتَابُ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ هُوَ حَبْلُ اللهِ؛ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلاَلَةٍ»(1).

ولـمَّا هجر القومُ كتابَ الله، وأعرَضوا عمَّا فيه مِن الهدى، شكاهم نبيُّنا صلى الله عليه وسلم إلى ربِّه، فقال تعالى ـ حاكيًا قولَه ـ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[الفرقان:30].

وعبَّر عن قريشٍ بالقَوم؛ فقال: ﴿إِنَّ قَوْمِي: زيادةً في تشنِيع صنيعهم معه؛ لأنَّ مِن شأنِ قومِ الرَّجُلِ أنْ يوافِقوه، لا أنْ يخالفوه، وأنْ يُصدِّقوه، ولا يُكذِّبوه.

واتِّخاذُهم ﴿هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا له معنَيان:

فإنْ كان مِنَ «الهُجْر» ـ بضمِّ الهاء ـ فمعناه: ادِّعاؤهم فيه السَّيِّء مِن القول، وقولهم فيه هُجْرًا، أي: زعمهم أنَّه سِحرٌ وشِعرٌ وكِهانةٌ وكذِبٌ وأساطير الأوَّلين، قاله مجاهد(2).

وإنْ كان مِنَ «الهَجْر» ـ بفتح الهاء ـ: فهو التَّرْكُ والبُعْدُ، أي: جعلوه متروكًا مُبْعَدًا مَقْصِيًّا، وأعرَضوا عنه، ولم يسمعوا له، وهذا قول جابر بن زيد(3).

ولا مانِع مِن الأخذ بالقولين، لا سيما أنَّ الآية تحتمل المعنيينِ معًا، فيكون هجر القرآن بهذا وبهذا، بل وبغيرهما(4)، كما سيأتي بيانه في أنواع الهجر.

وهذا الإخبار مِن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم حِكايةٌ عن قوله في الدُّنيا ـ وهذا قول الجمهور، وهو الظَّاهر ـ بدليل ما يتبعه مِن التَّسلية والمؤانسة في الآية الموالية، فيكون ـ حينئذٍ ـ معطوفًا على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا[الفرقان:21]، وما بينهما اعتراض.

وقيل: هذا سيكون مِن قوله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فيكون معطوفًا على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً[الفرقان:27].

 وفي هذه الشِّكاية مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تخويفٌ عظيمٌ لقومه، وترهيبٌ لهم؛ لأنَّ أنبياءَ الله ورسلَه كانوا إذا شَكَوْا قومَهم إلى ربِّهم حلَّت بهم نِقمة الله، وعجَّل لهم عذابه، ولم يُنْظَروا، وفي هذا وعيدٌ شديدٌ لكلِّ مَن كان هاجرًا للقرآن، بأيِّ وجهٍ مِن وُجوه الهجران.

فعزَّى الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيمَن سبقه مِن النَّبيِّين والمرسَلين، وجعل ذلك تسليةً له ومواساةً، ووعده النُّصرة على أعدائه، وأخبره بأنَّ هؤلاء القوم لهم سَلَفٌ صنعوا مِثل صنيعهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا[الفرقان:31] أي: كما حصل لك أيُّها النَّبيُّ الكريم ـ في قومك ـ مِن هجرانهم للقرآن، والباعث على هذا هو العداوة، والعداوة مِن شأنها أنْ تؤدِّي إلى هَجر الأقوال والأفعال، فكذلك وقع للأنبياء ـ قبلك ـ مع أممهم، فلَك فيهم أسوةٌ، فلْتصبرْ على ما تلقاه، كما صبر أولُو العزم مِن الرُّسل(5).

وقد استَدلَّ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله بهذه الآيات على أنَّ هاجر القرآن: مِن أعداء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال:

«فبيَّن أنَّ مَن هجر القرآن: فهو مِن أعداء الرَّسول، وأنَّ هذه العداوة أمرٌ لابدَّ منه، ولا مَفرَّ عنه»(6).

وتجدرُ الإشارة ـ هنا ـ إلى أنَّّ هذه الآية ـ آية الشَّكوى ـ، وإنْ نزلت في حقِّ المشركين، وفي هجرهم للقرآن الكريم وكفرهم به، غير أنَّ نظمها ممَّا يُرهب ويُخيف عموم الهاجرين لكتاب الله وإنْ كانوا به مِن المؤمنين.

قال الشَّيخ ابن باديس رحمه الله:

«وفي حِكاية القرآن لهذه الشَّكوى: وعيدٌ كبير للهاجرين، بإنزال العقاب بهم، إجابة لشكوى نبيِّه، ولـمَّا كان الهجرُ طبقات، أعلاها عدم الإيمان به، فلِكلِّ هاجر حظُّه مِن هذه الشَّكوى وهذا الوعيد. ونحن ـ معشر المسلمين ـ قد كان منَّا للقرآن العظيم هجرٌ كثيرٌ في الزَّمان الطَّويل، وإنْ كنَّا به مؤمنين»(7).

ولقد حذَّر الله تعالى مِن الإعراض عن القرآن فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون *  بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون[فُصِّلَت:3-4].

وتوعَّد من يفعل ذلك؛ فقال: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً[طه:99-101].

فعلى ضوء ما أورَدَتْه كتبُ التَّفسير، يُعلم بأنَّ هجر القرآن ـ أو الإعراض عنه ـ له جانبان:

2 جانب يتعلَّق بالقرآن ـ مع عدم الإيمان به ـ: وهذا صنيع الكفَّار والمنافقين.

2 وجانب يتعلَّق بالقرآن ـ مع الإيمان والإقرار به ـ: وهذا صنيع المقصِّرين مِن المسلمين(8).

* أنواع هُجران القرآن

هجرُ القرآن ليس له صُورة واحدة، بل هو أنواع مختلفة، كما دلَّت عليه نصوص الوحيَين.

وقد أشار إليها بعض أهل العلم، أذكر ـ هنا ـ نقلين لعلَمين منهم، وهما: ابن القيِّم وابن كثير ـ عليهما رحمة الله ـ.

قال ابن كثير:

«كانوا إذا تُلي عليهم القرآن أكثروا اللَّغط والكلام في غيره حتَّى لا يسمعوه، فهذا مِن هُجرانه، وترك علمه وحفظه ـ أيضًا ـ مِن هُجرانه، وترك الإيمان به وتصديقه مِن هُجرانه، وترك تدبُّره وتفهُّمه مِن هُجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره مِن هُجرانه، والعُدول عنه إلى غيره ـ مِن شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة مِن غيره ـ مِن هُجرانه»(9).

وقال ابن القيِّم:

«[فائدة]: هجر القرآن أنواع:

أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

والثَّاني: هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه، وإنْ قرأه وآمن به.

والثَّالث: هجر تحكيمه والتَّحاكم إليه، في أصول الدِّين وفروعه، واعتقاد أنَّه لا يُفيد اليقين، وأنَّ أدلَّته لفظيَّة لا تحصل العِلم.

والرَّابع: هجر تدبُّره وتفهُّمه ومعرفة ما أراد المتكلِّم به منه.

والخامس: هجر الاستشفاء والتَّداوي به، في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه مِن غيره، ويهجر التَّداوي به. وكلُّ هذا داخل في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[الفرقان:30]، وإنْ كان بعض الهجر أهون مِن بعض»(10).

1 وتفصيل ذلك فيما يلي:

1- هَجْر تِلاوتِه:

لقد أمر الله تعالى بتلاوة كتابه العزيز واتِّباعه وقراءته، فقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ[العنكبوت:45]، وقال ـ حاكيًا قول نبيِّه صلى الله عليه وسلم ـ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين *  وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ[النمل:91-92]، أي: وأُمرت ـ كذلك ـ بأنْ أتلو على النَّاس القرآن أبلِّغهم وَحْي الله تعالى(11).

وحثَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن؛ ذاكرًا فَضْل ذلك؛ فقال: «اقْرَأُوا القُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ...» الحديث(12).

وكان مِمَّا أوصى به صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه: قوله لأبي ذرٍّ الغفاريِّ رضي الله عنه: «عَلَيْكَ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ في الأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ في السَّمَاءِ»(13).

ونُنبِّه على أنَّ لفظ «التِّلاوة» يأتي بمعنى القراءة، ويُستعمل بمعنى الاتِّباع، بل هو المقصود مِن اللَّفظ؛ قال ابن القيِّم رحمه الله:

«قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ[البقرة:121]، والمعنى: يتَّبعون كتاب الله حقَّ اتِّباعه، فتلاوة القرآن: تتناول تِلاوةَ لفظه ومعناه، وتِلاوةُ المعنى أشرف مِن مجرَّد تلاوةِ اللَّفظ، وأهلها هم أهل القرآن، الَّذين لهم الثَّناء في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّهم أهل تِلاوةٍ ومتابعة حقًّا»(14).

2- هَجْر استماعِه والإصغاءِ إليه:

أَمَرنا الله تعالى بالاستماع لآيات كتابه حين تُتلى، وعدم الانشغال عنه بغيره، تعظيمًا له واحترامًا؛ فقال: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون[الأعراف:204].

وإنَّما قال: ﴿فَاسْتَمِعُواْ، ولم يقل: (فاسمعوا)؛ لأنَّ الاستماع يكون بحضور القلب، الَّذي يحصل معه التَّدَبُّر؛ بخلاف السَّماع، الَّذي يكون مِن غير قصد.

قال ابن تيميَّة رحمه الله:

«فلو كان الرَّجل مارًّا فسمع القرآن، مِن غير أنْ يستمع إليه، لم يُؤجر على ذلك، وإنَّما يُؤجر على الاستماع الَّذي يقصد»(15).

وذكر ابن القيِّم رحمه الله أنَّ مِن أسباب هَجر استماع القرآن: الاستماع للأغاني وآلات الطَّرب، الَّذي زيَّنه الشَّيطان لكثير مِن النَّاس، فقال:

«ومِن مكايد عدوِّ الله ومصايده، الَّتي كاد بها مَن قَلَّ نصيبه مِن العلم والعقل والدِّين، وصاد بها قلوب الجاهلين المبطلين: سماعُ المكاءِ والتَّصدية، والغناءِ بالآلات المحرَّمة، الَّذي يصدُّ القلوبَ عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفُسوق والعِصيان، فهو قرآن الشَّيطان، والحجاب الكثيف عن الرَّحمن»(16).

3- هَجْر تَدبُّرِه وتَفهُّمِه:

 ينبغي لمن يقرأ القرآن أنْ يتدبَّر آياتِه، ويتأمَّل في معانيه وأحكامه، وهذا هو المقصود الأعظم مِن إنزاله، لا مجرَّد قراءته وتِلاوته ـ على عِظم أجرها ـ؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[ص:29].

وقد وبَّخ الله تعالى مَن ترك التَّدبُّر في القرآن، فقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[محمد:24].

ولـمَّا كان فِقه القرآن وفهمه هو المقصود بتلاوته، لا مجرَّد القراءة فقط، لم يأذن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنْ يختم القرآن في أقلَّ مِن ثلاثٍ، وقال له: «لَمْ يَفْقَهْ ـ وفي رواية: لاَ يَفْقَهُ ـ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ في أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ»(17).

وهذا النَّوع مِن الهجر ـ أي: هَجر الفهم والتَّدبُّر ـ أشدُّ وأشنع من سابقَيْه ـ أي: هَجر تلاوته وسماعه ـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: «وهجر معانيه أعظم مِن هجر ألفاظه»(18).

وقراءةُ ما تيسَّر مِن آيات القرآن ـ بتدبُّر وتمعُّن ـ أفضلُ مِن قراءته كلِّه مِن غير فهْم.

قال ابن القيِّم رحمه الله:

«فقراءة آية بتفَكُّر وتفهُّم خيرٌ مِن قراءة خَتْمَة بغير تدبُّر وتفهُّم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السَّلف...فقراءة القرآن بالتَّفكُّر هي أصل صلاح القلب»(19).

4- هَجْر العملِ به:

إنَّ الغاية العُظمى مِن إنزال القرآن الكريم هي العمل به، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، لهذا وردت آياتٌ عديدة فيه تأمر ـ أمْر إيجاب ـ باتِّباعه والعمل به؛ منها:

قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين * اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون[الأعراف:2-3]، والعمل بالقرآن سبب لنيل رحمة الله ـ في الدُّنيا والآخرة ـ؛ قال تعالى: ﴿وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون[الأنعام:155].

قال ابن تيميَّة رحمه الله:

«والمطلوب مِن القرآن: هو فهم معانيه، والعمل به، فإنْ لم تكن هذه همَّة حافظه، لم يكن مِن أهل العلم والدِّين»(20).

ولقد ضرب الله تعالى لليهود ـ الَّذين تركوا العمل بالتَّوراة ـ مَثل السَّوء؛ فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ الله وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين[الجمعة:5].

وهذا المثل يلحق مَن لم يعمل بالقرآن الكريم ـ أيضًا ـ؛ قال ابن القيِّم رحمه الله:

«فهذا المثلُ وإنْ كان قد ضُرب لليهود، فهو مُتَناوِل ـ مِن حيث المعنى ـ لمن حمَل القرآن، فترك العمل به، ولم يؤدِّ حقَّه، ولم يَرْعَه حقَّ رعايته»(21).

ومِن هَجْر العملِ بالقرآن: قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ـ في وصف الخوارج ـ: «يَقْرَأُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»(22) أي: لا يرتفع إلى الله تعالى، ولا يُثابون عليه؛ لأنَّ أعمالهم له مخالفة: بسفك دِماء المسلمين، وإخافة سُبُلهم(23).

5- هَجْر الاستشفاءِ به والتَّداوي:

إنَّ القرآن الكريم شِفاءٌ لجميع أمراض القلوب والأبدان، سواء كانت أمراضُ القلوب: أمراضَ شُبهةٍ وشكٍّ، أو أمراضَ شَهوةٍ وغيٍّ؛ قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا[الإسراء:82].

ونُشير ـ هنا ـ إلى أنَّ حرف الجرِّ (مِن): لبيان الجنس، لا للتَّبعيض، أي أن القرآن كله شفاء.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين[يونس:57].

وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء[فُصِّلَت:44].

قال ابن القيِّم رحمه الله:

«فالقرآنُ هو الشِّفاء التَّامُّ مِن جميع الأدواء القلبيَّة والبدنيَّة، وأدواءِ الدُّنيا والآخرة، وما كلُّ أحدٍ يُؤهَّلُ ولا يُوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليلُ التَّداويَ به، ووضعه على دائه بصدْقٍ وإيمانٍ، وقبولٍ تامٍّ، واعتقادٍ جازم، واستيفاء شروطه،لم يُقاوِمْه الدَّاءُ أبدًا. وكيف تُقاومُ الأدواءُ كلام ربِّ الأرض والسَّماء، الَّذي لو نزل على الجبال لصدَعها، أو على الأرض لقطَعها، فما مِن مَرض ـ مِن أمراض القلوب والأبدان ـ إلاَّ وفي القرآنِ سبيل الدِّلالة على دوائه وسببه... وأمَّا الأدوية القلبيَّة؛ فإنَّه يذكرها مُفصَّلةً، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها، قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ[العنكبوت:51]، فمَن لم يَشْفِه القرآن، فلا شفاه الله، ومَن لم يَكْفِه، فلا كفاه الله»(24).

6- هَجْر تحكيمِه والتَّحاكمِ إليه:

قد أنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ القرآن الكريم ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه، فتسعد به البشريَّة مِن خلال تطبيقهم لأحكامه، ونهاهم  عن تحكيم غيره، أو التَّحاكم إلى سواه مِن القوانين الوضعيَّة.

والقارئ لكتاب الله يمرُّ على آياتٍ كثيرة تدلُّ على وُجوب تحكيم الشَّريعة الإسلامية، الَّتي مِن مصادرها القرآن الكريم.

ونذكر في هذا الصَّدد ـ على سبيل التَّمثيل لا على وجه الحصر ـ بعض الآيات الَّتي تدعو إلى ذلك.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا[النساء:105]، وقال ـ أيضًا ـ: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون[المائدة:49-50].

قال ابن كثير رحمه الله:

«يُنكر تعالى على مَنْ خرج عن حُكم الله المحكَم المشتمِل على كلِّ خير، النَّاهي عن كلِّ شرٍّ، وعدَل إلى ما سِواه مِن الآراء والأهواء والاصطلاحات الَّتي وضعها الرِّجال بلا مُستنَدٍ مِن شريعة الله، كما كان أهل الجاهليَّة يحكمون به مِن الضَّلالات والجهالات، ممَّا يضعونها بآرائهم وأهوائهم»(25).

ولـمَّا أعرض النَّاس عن تحكيم كتاب الله ـ كما أمرهم الله ـ وحكموا بغير ما أنزل الله، استحقُّوا عُقوبة الله، وحلَّ بهم سَخَطه، وأذاقهم الله لباس الجوع، وظهر فيهم الفقر.

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ بِخَمْسٍ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قَالَ: «مَا نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إِلاَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الفَقْرُ، وَلا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفَاحِشَةُ إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ المَوْتُ، وَلا طفَّفُوا المِكْيَالَ إِلاَّ مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلاَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلاَّ حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ»(26).

ومِن آثار الحُكْم بغير ما أنزل الله، وهَجْر التَّحاكُم إلى القرآن: وُقوعُ التَّنازع بين النَّاس، حتَّى يُصبح بعضُهم عَدُوًّا لبعض، فلا يجتمعون على كلمة سواء، فيكثُر فيهم الشَّرُّ، ويقلُّ فيهم الخير، والله المستعان.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ» ـ وذكر منها ـ: «وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»(27).

قال ابن تيمية رحمه الله:

«وإذا خرج وُلاة الأمور عن هذا: فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا حَكَمَ قَوْمٌ بغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلاَّ وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ»، وهذا مِن أعظم أسباب تغيير الدُّول»(28).

***

نسألُكَ اللَّهمَّ بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو علَّمتَه أحدًا مِن خلقك، أو أنزلتَه في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أنْ تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونُور صُدورنا، وجلاء أحزاننا، وصلِّ اللَّهمَّ على عبدك ورسولك محمَّد، وعلى آله وأصحابه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.

–—˜

 

 



(1) رواه مسلم (2408).

(2) أخرجه الطَّبري (17/443).

(3) أخرجه الطَّبري (17/444).

(4) قال ابن عثيمين :: «فإنَّ القاعدة ـ في عِلم التَّفسير ـ: أنَّ الآية إذا احتملت معنيَين لا تعارض بينهما، وَجَب الأخذ بهما جميعًا؛ لأنَّ الأخذ بالمعنيَينِ جميعًا أوسع للمعنى». [«تفسير جزء عمَّ» (ص 222)].

(5) يُنظر ـ في معنى آيتي الفرقان ـ: «تفسير ابن أبي حاتم» (8/2687)، «معالم التَّنزيل» للبغوي (6/82)، «المحرَّر الوجيز» لابن عطيَّة (4/209)، «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (15/405).

(6) «مجموع الفتاوى» (4/106).

(7) «آثار ابن باديس» (1/407) .

(8) انظر: «نضرة النَّعيم» لعدد مِن المختصِّين بإشراف الشَّيخ صالح بن عبد الله بن حميد ـ خطيب الحرم المكِّي ـ (11/5691).

(9) «تفسير القرآن العظيم» (10/303).

(10) «الفوائد» (ص 156).

(11) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (10/439)، «تيسير الكريم الرَّحمن» للسَّعدي (ص 611).

(12) رواه مسلم (804) عن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيّ رضي الله عنه.

(13) رواه ابن حبَّان (361)، انظر: «صحيح التَّرغيب» (2233).

(14) «مفتاح دار السَّعادة» (1/202) ـ مع شيء مِن الحذف ـ.

(15) «مجموع الفتاوى» (30/213).

(16) «إغاثة اللَّهفان مِن مصائد الشَّيطان» (1/408).

(17) رواه أبو داود (1397)، والتِّرمذي (2949)، وابن ماجه (1347)، انظر: «صحيح الجامع» (7743).

(18) «بيان تلبيس الجهميَّة» (8/514).

(19) «مفتاح دار السَّعادة» (1/187).

(20) «مجموع الفتاوى» (23/55).

(21) «إعلام الموقِّعين» (2/288).

(22) رواه البخاري (3344) ومسلم (1064) عن أبي سعيد ا.

(23) انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (8/589).

(24) «زاد المعاد» (4/352).

(25) «تفسير القرآن العظيم» (5/251).

(26) رواه الطَّبراني في «المعجم الكبير» (10992)، انظر: «صحيح الجامع» (3240).

(27) رواه ابن ماجه (4019)، انظر: «الصَّحيحة» (106).

(28) «مجموع الفتاوى» (35/ 388).

 

* منقول من مجلة الإصلاح -العدد 29-