أنت هنا:قضايا تربوية»(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا...)

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا...)

  • نجيب جلواح
تم قراءة المقال 3294 مرة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خلق الله تعالى الخلقَ ليعبدوه، وأمرهم أن يوحِّدوه؛ فالعبادة هي الغاية المحبوبة لله، فمِن أجلها فطرهم، وبسببها أوجدهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات:56]، وبالعبادة أرسل الله تعالى جميع الرُّسل، كما قال كلٌّ مِن نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم عليهم السلام لقومهم: ﴿اعْبُدُواْ الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:59].

ولمَّا أمرهم بعبادته وحده لا شريك له، نهاهم عن عبادة غيره، فقال سبحانه:﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36].

والعبادة لها أصلان: أنْ لا يُعبد إلَّا الله، وأنْ يُعبد بما أمر وشرع، قال الفضيل بن عياض ـ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [هود:7، الملك:2] قال: «أَخْلَصُه وأَصْوَبُه» قالوا: يا أبا عليٍّ، ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : «العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتَّى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أنْ يكون لله، والصَّواب أنْ يكون على السُّنَّة»([1]).

وكَمْ هم كثير الَّذين لم يحقِّقوا شَرْطَيْ قبول العبادة ـ الإخلاص والمتابعة ـ، وسأكتفي ـ هنا ـ بذكر صِنف واحد من هؤلاء العُبَّاد، الَّذين لم يقبل الله تعالى عبادتهم، وهم الَّذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدُّنيا ويحسبون أنَّهم يُحسنون صنعًا، وهذا ليحذرهم مَن لا يعرفهم على حقيقتهم، ولا يغترَّ بصنيعهم مَن أُعجب بظاهرهم؛ إنَّهم النَّصارى.

وهذه بعض مجالات تعبُّدهم المنحرف:

1 ـ غلوُّهم في الصَّالحين ـ من العلماء والأولياء ـ وهو أعظم سبب لعبادتهم إيَّاهم من دون الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [التوبة:31].

فاتِّخاذهم أحبارهم أربابًا يحلِّلون ويحرِّمون، ويُدعون لدفع الضَّرِّ أو جلب النَّفع، هذا من مظاهر عبادتهم لهم.

ولمَّا غلا النَّصارى في طاعة أحبارهم ورهبانهم: حرَّموا على أنفسهم أكل الطَّيِّبات مِن الرِّزق، وتركوا زينة الله الَّتي أخرج لعباده، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ [الأعراف:32].

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ؛ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ «بَرَاءَةٌ»: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾ [فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا  إِذَا أَحَلُّوا لهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ [فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ]»([2])، وعلى هذا دلَّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [المائدة:87].

2 ـ غلوُّهم في الأنبياء والمرسلين عليهم السلام قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾[النساء:171].

وقد وبَّخ الله تعالى النَّصارى بسبب عبادتهم لعيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب﴾[المائدة:116] وقد تبرَّأ مِنهم عيسى عليه السلام، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ [المائدة:117].

وعبادة النَّصارى للمسيح عليه السلام كان سببها الغلوّ في التَّعظيم والإطراء؛ ولهذا حذَّر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّته من إطرائه، خوفًا من أن يقعوا فيما وقع فيه مَن قبلهم؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه سَمِعَ عُمَرَ رضي الله عنه يَقُولُ ـ عَلَى الْمِنْبَرِ ـ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»([3])، إنَّ أعظم مدح له صلى الله عليه وسلم أنْ نقول فيه ما قال ربُّنا عزَّ وجلَّ: إنَّه عبده ورسوله، فتلك أكبر تزكية له صلى الله عليه وسلم وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلوٌّ ولا تقصير.

وإذا كانت عبادة هؤلاء لعيسى بن مريم شِرْكًا، وهو من الأنبياء المرسلين، فكيف بعبادة غيره ممَّن هو دونه كالأولياء والصَّالحين؟!

3 ـ دعاؤهم غير الله تعالى، حيث يتعبَّدون بإشراك أحبارهم ورهبانهم في دعاء الله تعالى وعبادته، ويظنُّون أنَّ ذلك ممَّا يحبه الله، ويزعمون أنَّ هؤلاء شفعاؤهم عند الله، جاعلين بين الله وبين خلقه وسائط ما أنزل الله بها مِن سلطان، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله﴾ [يونس:18]، ولمَّا كان الدُّعاء عبادة، ذمَّ الله المستكبرين عنه فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ [غافر:60].

4 ـ تنزيههم أنفسهم عمَّا نسبوه لخالقهم، فيتعبَّدون بترك الزَّواج الذي أحلَّه الله تعالى، ويحرِّمه أحبارهم على أنفسهم، بحجَّة أنَّ ذلك منقصة في حقِّهم، ويتنزَّهون عن الولد والزَّوجة، ويقولون: إنَّ تحصيل الكمال لا يكون إلَّا بالتَّرفُّع عن دناءة التَّمتُّع بالنِّساء، وهذا اقتداء منهم بالمسيح عليه السلام كما يدَّعون ويزعمون، ولكن ترك المسيح التَّزوُّج، لعلَّه كان لعارض آخر، الله تعالى أعلم به، وليس ترك التَّزوُّج مِن صفات النُّبوَّة، إذْ كان لجميع الأنبياء أزواج وذريَّة، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: «فأما الإعراض عن الأهل والأولاد فليس ممَّا يحبُّه الله ورسوله، ولا هو من دين الأنبياء، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:38]»([4]).

فانظر ـ رحمك الله ـ إلى سخافة العقول، ودناءة التَّفكير، وما قادهم إليه ضلالهم، حتَّى حرَّموا على أنفسهم ما أباحه الله لهم مِن الطَّيِّبات، ونسبوا لخالقهم ما برَّؤوا منه أنفسهم، إذ جعلوا لله تعالى الولد، كما أخبر ربُّ العزَّة عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون﴾ [التوبة:30]، والله تعالى منزَّه عن الصَّاحبة والولد ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم( [الأنعام:101]، ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا﴾[الجن:3].

5 ـ اتّخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وبسبب ذلك استحقُّوا اللَّعنة من الله تعالى، وقد حذَّر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّته مِن ذلك في غير موطن، حتَّى في وقت مفارقته الدُّنيا، ففي «الصَّحيحين» عن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُول الله  صلى الله عليه وسلم ـ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ ـ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ ـ أَوْ خُشِيَ ـ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»([5])، وعن عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَا: «لمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ ـ وَهوَ كَذَلِكَ ـ: «لَعْنَةُ الله عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»([6]).

وروى سعيد بن منصور في «سننه»، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» عن المعْرُور بن سُوَيْد قال: خرجنا مع عمر في حجَّة حجَّها، فقرأ بنا في الفجر بـ: ﴿َلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل﴾ و﴿لإِيلاَفِ قُرَيْش﴾في الثَّانية، فلمَّا رجع مِن حجَّته رأى النَّاس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجدٌ صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتَّخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، مَن عرضت له منكم الصَّلاة فيه فَلْيُصَلِّ، ومَن لم تعرض له الصَّلاة فَلْيَمْضِ»([7]).

فقد أنكر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على النَّاس اتِّخاذ مُصلَّى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عِيدًا، وبيَّن لهم علَّة هذا الإنكار، وهو أنَّ أهل الكتاب إنَّما هلكوا بمثل هذا الصَّنيع، حيث كانوا يتَّبعون آثار أنبيائهم، ويتَّخذونها أماكن للعبادة ـ كنائس وبِيَعًا ـ.

6 ـ اتِّخاذهم قبور أنبيائهم أعيادًا، يقصدونها في أوقات معيَّنة، ومواسم معروفة، للتَّعبُّد عندها، وقد نهى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم عن التَّشبُّه بهم؛  روى أحمد ـ في «مسنده» ـ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي»([8])،  قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «ووجه الدِّلالة: أنَّ قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتِّخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنَّهي كائنًا مَن كان، ثمَّ قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» أي: لا تعطِّلوها عن الصَّلاة فيها، والدُّعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور،  فأَمَرَ بتحرِّي العبادة في البيوت، ونهى عن تحرِّيها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون مِن النَّصارى ومَن تشبَّه بهم»([9]).

واعلم أنَّ العيد: اسم لما يعود ويتكرَّر، وقيل: مأخوذ من العادة، وكأنَّهم اعتادوه، وقد يختصُّ العيد بمكان بعينه، وإذا جُعل اسمًا للمكان، فهو المكان الذي يُقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده، أو لغير العبادة؛ فإنَّ اعتياد قصد المكان المعيَّن في وقت معيَّن، عائد بعود السَّنة أو الشَّهر أو الأسبوع: هو بعينه معنى العيد، ويدلُّ على هذا ما رواه أبو داود عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا:لاَ، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا:لاَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَالاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»([10]).

7 ـ تعظيمهم  الصُّور الَّتي في كنائسهم، وجعلها على صورة مَن يعبدونه بالباطل، ثمَّ عبادتهم لها من دون الله تعالى؛ وبصنيعهم هذا صاروا شرَّ البريَّة؛ ففي «الصَّحيحين» من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ أمَّ سلمة وأمَّ حبيبة رضي الله عنهما ذَكَرَتَا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: «مارية»  وذَكَرَتَا مِن حسنها وتصاوير فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَر، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»([11]).

8 ـ إحداثهم لرهبانيَّة ما فرضها الله عليهم، ولا شَرَعَها لهم، ولا تعبَّدهم بها، ولكنَّهم التزموها مِن تلقاء أنفسهم، وابتداع أمَّة النَّصارى لها كان بدافع طلب رضوان الله ـ زعموا ـ ومع ذلك لم يقوموا بها، ولكنَّهم بدَّلوا، وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى عليه السلام، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:27].

وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ ليس معطوفًا على ما قبله: ﴿ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ ، وإنَّما انتصب بفعل مُضمر، فكأنَّه قيل: «وابتدعوا رهبانيَّةً» أي: جاءوا بها مِن قِبَل أنفسهم، لم يأمرهم الله بها، والاستثناء في قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ الله﴾  استثناء منقطع، والتَّقدير: «ما كتبناها عليهم، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله»([12]).

عن قتادة قال ـ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَة﴾ ـ فهاتان مِن الله، والرَّهبانيَّة ابتدعها قوم مِن أنفسهم ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله، فما رعوها حقَّ رعايتها؛ ذُكر لنا أنَّهم رفضوا النِّساء، واتَّخذوا الصَّوامع»([13]).

وليس في الآية القرآنيَّة السَّابقة ثناءٌ ولا مدحٌ لأولئك القوم، بل هي ذمٌّ لهم مِن وجهين:

أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.

والثّاني: في عدم قيامهم بما التزموه، ممَّا زعموا أنَّه قربة، يقرِّبهم إلى الله عزَّ وجلَّ([14]).

وهذه الحال هي الغالب مِن أحوالهم([15]).

والرَّهبانيَّة ـ لغةً ـ: من الرَّهبة، وهي الخوف مِن غير طمع، والفزع مع تحرُّزٍ واضطرابٍ، ومنها الرَّاهب: وهو المتعبِّد في صومعةٍ من النَّصارى، يتخلَّى عن أشغال الدُّنيا وملاذها، زاهدًا فيها، معتزلًا أهلها([16]).

قال ابن الأثير: «هي مِن رهْبَنَة النَّصارى، وأصلُها: من الرَّهْبة: الخَوفِ؛ كانوا يترَهَّبون بالتَّخلِّي مِن أشْغال الدُّنْيا، وتَرْكِ  مَلاَذها والزُّهْد فيها، والعُزْلة عن أهْلها، وتعمُّد مشاقِّها، حتَّى إنَّ منهم مَن كان يَخْصي نفسَه، ويضعُ السِّلْسِلة في عُنُقه، وغير ذلك مِن أنواعِ التَّعذيب، فنفاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ونهَى المُسْلمين عنها»([17]).

والمراد مِن الرَّهبانيَّة: ترهُّبُهم في الجبال، وتعبُّدهم في الغيرانِ والكهوف، بزعم الفرار مِن الفتنة في الدِّين، محمِّلين أنفسهم ألوانا من المشاقِّ، ومتحمِّلين كلفًا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم؛ مِن الخلوة واعتزال النَّاس، ولُبس الخَشِن من الثِّياب وارتداء المسوح، والامتناع مِن المطعم الطيِّب و أكل اللَّحم، وتحريم النِّكاح المباح باعتزال النِّساء، والمبالغة في العبادة بمواصلة الصَّوم؛ وهذا كلُّه بحجَّة الزُّهد في متاع الحياة الدُّنيا([18]).

وفي هذه التَّصرُّفات تعذيب لأبدانهم، وفي عزوفهم عن الطَّعام والنَّوم رهبانيَّة، لا تُمَثِّلُ الدِّين ولا تَمْتَثِلُ له، ومِن نتائجها السَّيِّئة, وآثارها المذمومة أنْ يُنحل الجسم، ويُضعف القوَّة، فيقعد أحدهم عن العمل، فلا يضرب في الأرض بالسَّعي طلبا للرِّزق والمعاش، متظاهرًا بالتَّنسُّك والتَّعبُّد، مدَّعيًا التَّزهُّد في الدُّنيا، حيث يصبح عالة على غيره، فيمدُّ يده بالسُّؤال، تردُّه اللُّقمة واللُّقمتان، وأمَّا عن تركهم للزَّواج، فيقال لهم: لو لم يكن فيه إلَّا تحصين الفرج، وطلب الولد الصَّالح الَّذي يدعو لوالديه بعد وفاتهما، ويقوم عليهما في حياتهما: لكان ذلك كافيًا.

وهؤلاء الذين حرَّموا على أنفسهم الطَّيِّبات، ومنعوها من الملاذ، وما فُطرت عليه مِن الزَّواج، وطيِّب الملبس والمأكل، ينظرون إلى هذه المباحات على أنَّها رِجْس من عمل الشَّيطان يجب اجتنابه؛ ويرون الجسد سجنًا للرُّوح، يحول بينها وبين أشواقها العالية، لذا قاموا على إرهاقه وتعذيبه بألوان من العذاب، حتَّى تحوَّل إلى شبح هزيل، يسكن المغاور والكهوف، وينفر مِن كلِّ الصِّلات الإِنسانية وبسبب إفراطهم وغلوّهم ضلُّوا عن سواء السَّبيل.

وقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يكره مشابهة أهل الكتاب في هذه الآصار والأغلال، وزجر أصحابه عن التَّبتُّل، وقال فيما يعيب أهل الكتاب،  ويحذِّر موافقتهم: «لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى»([19])، وقال: «إنِّي لَمْ أُومَرْ بِالرَّهْبَانِيَّة»([20]).

ومِن ذلك تحذيره صلى الله عليه وسلم من اتِّباعهم في ترك الزَّواج، كما في حديث أبي أمامة ـ مرفوعًا ـ: «تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى»([21]).

ومِن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم عن تقليدهم في التَّشدُّد في الدِّين، إذْ قال: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِتَشْدِيدِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَسَتَجِدُونَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ»([22]).

ففي هذا الحديث نهي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن التَّشدُّد في الدِّين بالزِّيادة على المشروع والتَّشديد؛ تارة يكون باتِّخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحبِّ في العبادات؛ وتارة باتِّخاذ ما ليس بمحرَّم ولا مكروه بمنزلة المحرَّم والمكروه في الطَّيِّبات؛ وعلَّل ذلك بأنَّ الَّذين شدَّدوا على أنفسهم ـ مِن النَّصارى ـ شدَّد الله عليهم لذلك، حتَّى آل الأمر إلى ما هم عليه مِن الرَّهبانيَّة المبتدعة([23]).

ومِن ذلك ـ أيضًا ـ ما في «الصَّحيحين» عن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألون  عن عبادة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تَقَالُّوهَا، فقالوا: وأين نحن مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد غَفَر له الله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال أحدهم: أمَّا أنا فأصلِّي اللَّيل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدَّهر أبدًا، وقال الآخر: أنا أعتزل النِّساء، فلا أتزوَّج أبدًا» [هذا لفظ البخاري، ورواية مسلم: «سألوا أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن عمله في السِّرِّ، فقال بعضهم: لا أتزوَّج النِّساء، وقال بعضهم: لا آكل اللَّحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش»] فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»([24]).

والأحاديث الموافقة لهذه كثيرة في بيان أنَّ سنَّته صلى الله عليه وسلم الاقتصاد في العبادة، وفي ترك الشَّهوات؛ وهي خيرٌ من رهبانيَّة النَّصارى، الَّتي فيها ترك عامَّة الشَّهوات ـ مِن النِّكاح وغيره ـ، والغلوّ في العبادات ـ صومًا وصلاةً ـ([25]).

ورهبانيَّة الإسلام: هي الجهاد في سبيل الله تعالى، لما أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رجلًا جاءه فقال: أَوْصِني، فقال: سألتَ عمَّا سألتُ عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مِن قبلك، فقال: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ رُوحُـكَ فِي السَّمَـاءِ، وَذِكْرُكَ فِي الأَرْضِ»([26]).

وهذه الرَّهبانيَّة الَّتي نذرها النَّصارى لله بالانقطاع عن اللَّذائذ، وإعنات النَّفس، والامتناع عن كثير من الطَّيِّبات، وإحداث أمور جعلوها من الدِّين؛ عُدَّت كلّها عبادات، وذلك لأنَّ أصحابها إنَّما يفعلونها بقصد التَّقرُّب إلى الله زعموا.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ـ رحمة الله عليه ـ: «كما أنَّ النَّصارى يفعلون مثل هذا السَّماع في كنائسهم على وجه العبادة والطَّاعة، لا على وجه اللهو واللَّعب... ومِن المعلوم أنَّ الدِّين له أصلان: فلا دين إلَّا ما شرع الله، ولا حرام إلَّا ما حرَّمه الله؛ والله تعالى عاب على المشركين أنَّهم حرَّموا ما لم يحرِّمه الله، وشرعوا دينًا لم يأذن به الله، ولو سئل العالم عمَّن يَعْدُو بين الجبلين، هل يُباح له ذلك؟  قال: نعم، فإذا قيل: إنَّه على وجه العبادة كما يسعى بين الصَّفا والمروة ؟ قال: إنْ فعله على هذا الوجه: فهو حرام مُنكر، يُسْتَتَاب فاعله فإنْ تاب وإلَّا قتل، ولو سئل عن كشف الرَّأس، ولُبس الإزار والرِّداء؟ أفتى بأنَّ هذا جائز، فإذا قيل: إنَّه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاجّ؟ قال: إنَّ هذا حرام منكر، ولو سئل عمَّن يقوم في الشَّمس؟ قال: هذا جائز، فإذا قيل: إنَّه يفعله على وجه العبادة؟ قال: هذا منكر، كما روى البخاري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قائمًا في الشَّمس فقال: «مَنْ هَذَا؟» قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أنْ يقوم في الشَّمس، ولا يقعد، ولا يستظلَّ، ولا يتكلَّم، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَليَجْلِسْ، وَليَسْتَظِلَّ وليُتِمَّ صَوْمَهُ»([27])، فهذا لو فعله لراحة، أو غرض مباح لم يُنْهَ عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نُهي عنه»([28]).

وهذه الرَّهبانيَّة تشدُّد، وغلوٌّ في الدِّين، وقد نهى رسولنا صلى الله عليه وسلم أمَّته عن ذلك، وأمرهم بما جاءت به الحنيفيَّة مِن مخالفة اليهود فيما أصابهم مِن القسوة عن ذكر الله وعمَّا أُنزل، ومخالفة النَّصارى فيما هم عليه مِن الرَّهبانيَّة المبتدعة؛ فعن أبي العالية قال: «قال لي ابن  عبّاس رضي الله عنهما: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ غداة العقبة ـ: «هَاتِ اُلْقُطْ لِي حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الخَذْف»، فلمَّا وُضعن في يده قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالغُلُوِّ فِي الدِّينِ»([29]).

قوله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ والغُلُوَّ فِي الدِّينِ»، وسبب هذا اللَّفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلوُّ فيه مثل الرَّمي بالحجارة الكبار بناءً على أنَّه أبلغ مِن الحصى الصِّغار، والنَّهي هنا ـ وإن كان سببه خاصًّا ـ: فهو نهيٌ عن كلِّ غلوٍّ، أي: نهي عامٌّ عن جميع أنواع الغلوِّ، في الاعتقاد والأعمال؛ لأنَّ «العبرة بعموم اللَّفظ، لا بخصوص السَّبب».

والغلوُّ: مجاوزة الحدِّ، بأنْ يُزاد الشَّيء في حمده أو ذمِّه على ما يستحقُّ، والنَّصارى أكثر غلوًّا في الاعتقادات والأعمال مِن سائر الطَّوائف، وإيَّاهم نهى الله عن الغلوِّ في القرآن، في قوله تعالى:  ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُم﴾[النساء:171] ([30]).

أمَّا أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم ، فدينها خير أديان البريَّة دينًا، وأحبُّها إلى الله تعالى ؛ فعن ابن عبّاس رضي الله عنه قال سُئل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ؟» قال: «الحَنِيفِيَّة السَّمْحَة»([31]).

وهذه الأمَّة؛ أمَّة الوسط والعدل ، إذْ لا إفراط عندها ولا تفريط، كونها لم تَغْلُ غُلُوَّ النَّصارى، ولم تُقَصِّر تقصير اليهود؛ ودين الله تعالى بين الغالي فيه، والجافي عنه.

ولهذا استحقَّت مدح الله تعالى لها، ومزيد ثنائه عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:143]، وقوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عُدُولًا، خيارًا([32]) كما في قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله﴾ [آل عمران:110]

  


([1]) «حلية الأولياء» لأبي نعيم (8/95).

([2]) التّرمذي (309)، والبخاري في «التَّاريخ« (4/1/106)، والزِّيادتان له؛ والحديث في «سلسلة الأحاديث الصَّحيحة»: (3293).

([3]) البخاري (3445).

([4]) «مجموع الفتاوى» (10/642).

([5]) البخاري (554)، مسلم (530).

([6]) البخاري (425)، مسلم (1215).

([7]) «مصنَّف ابن أبي شيبة» (7550)، وصحَّحه الألباني في: «تحذير السَّاجد مِن اتِّخاذ القبور مساجد» (ص82).

([8]) «المسند» (8790)، وأخرجه أبو داود (1/319)، وصحَّحه الألباني في «صحيح أبي داود» (1796).

([9]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (ص323).

([10]) «سنن أبي داود» (3313)، وهو في «صحيح أبي داود» (2834)، بُوانَة: هَضْبَة وراء يَنْبُع.

([11]) البخاري (3660)، مسلم (528).

([12]) «تفسير القرطبي» (17/263).

([13]) «تفسير الطَّبري» (23/203).

([14]) «تفسير ابن كثير» (8/29).

([15]) «تفسير السَّعدي»(842).

([16]) «الموسوعة الفقهيّة» (2/8093).

([17]) «النِّهاية في غريب الحديث والأثر» (2/669).

([18]) «تفسير البغوي» (8/42).

([19]) أخرجه الترمذي (2696)، انظر: «الصَّحيحة» (2194).

([20]) أخرجه الدَّارمي (2/132)، وهو في «الصَّحيحة» (394).

([21]) البيهقي في «السُّنن الكبرى» (7/78)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة»: (1782).

([22]) أخرجه البخاري في «التَّاريخ»، وهو في «الصَّحيحة»: (3124).

([23]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (ص248).

([24]) البخاري (5063)،  ومسلم (1401).

([25]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم»(250 ـ 251).

([26]) «المسند» (3/82)، وهو في «الصَّحيحة» (555).

([27]) «صحيح البخاري» (6326).

([28]) «مجموع الفتاوى» (11/631 ـ 632).

([29]) أخرجه ابن خزيمة (2867)، والحاكم في «المستدرك» (1711)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشَّيخين و لم يخرِّجاه»، و هو مخرَّج في «الصَّحيحة» (1283).

([30]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (ص253 ـ 254).

([31]) «صحيح الأدب المفرد» (220 /287).

([32]) الطّبري (3 /145)، ابن كثير  (5 /457).