أنت هنا:قضايا تربوية»الخوف من العذاب عند رؤية الغيم

الخوف من العذاب عند رؤية الغيم

  • محمد الوزاني
تم قراءة المقال 8803 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من(مجلة الإصلاح – العدد 17)

 

إنَّ أكثر النَّاس اليوم إذا رأوا سحابًا مُقْبِلاً في السَّماء فرحوا به واستبشروا بمجيء المطر!

فهل هذا العمل منهم صحيح؟! وهل كان ذلك هو موقف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى سحابًا في السَّماء؟

تَذْكُرُ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - حال النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى غَيْمًا فتقول: كَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوا الغَيْمَ فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ في وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةَ؟! قَالَتْ: فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ؛ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24]»[1].

وتمام الآية: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)﴾.

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كَانَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِذَا رَأَى مخِيلَةً في السَّماء، َأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، ودَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَا أَدْرِي؟ لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾»[2].

«مخيلة»: سحابة يخال فيها المطر.

وفي رواية لمسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبىِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ؛ قَالَ: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بهِ، وَأَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بهِ»، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ؛ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ! كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾».

فعادٌ كانوا قومًا كافرين، كذَّبوا نبيَّ الله هودًا - عليه السلام - وأصرُّوا على الشِّرك والكفر بالله، وقد أخبرنا الله في القرآن عن شدَّة كفرهم وعنادهم واستكبارهم، واحتقارهم لنبيِّهم وإساءة الأدب معه في القول والفعل فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)﴾ [الأحقاف].

الأحقاف: جمع حقْف وهو: الجبل من الرَّمل، وعاد كانوا حيًّا باليمن، أهلَ رمل مشرفين على البحر.

وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾[هود].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67)﴾ [الأعراف].

فمن كان هذا حاله، وهذا موقفه من توحيد الله، والدَّاعي إليه، وهو نهاية الكفر والطُّغيان، فلأن يخاف بأس الله وسخطه وانتقامه أولى من أن يفرح ويستبشر إذا هبَّت ريحٌ أو رأى سحابًا، فأولئك القوم عصوا اللهَ ربَّهم وكفروا به وكذَّبوا رسولَهم وأمِنوا مكرَ الله؛ فكانت النَّتيجة أنْ أتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، بل جاءهم من حيث استبشروا وظنُّوا أنَّ الغيث قد أتاهم.

﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)﴾.

وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)﴾ [الحاقة]، وما عذاب الله وانتقامه من الظالمين أين كانوا ببعيدٍ، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)﴾ [هود].

فنبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو أعلم الخلق بالله تعالى وأشدُّهم له خشيةً، وأصحابُه - رضي الله عنهم - الَّذين كانوا معه هم خير النَّاس، وعصره أفضل العصور، ومع ذلك فقد علمتم حاله عند رؤيته للسَّحاب في السَّماء، وكيف أنَّ وجهه يتغيَّرَ وتُعرف فيه الكراهية؛ لأنَّه يخشى أن يكون فيه عذاب، ولا يذهب عنه ذلك حتى ينزل المطر أو ينجلي السحاب.

بل إنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا كان مشتغلاً بشيء ولو كان صلاةً تركه إذا رأى سحابًا أو هبَّت ريحٌ وتوجَّه إلى الله بالدُّعاء، تقول عائشة - رضي الله عنها -: كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى سحابًا مقبلاً مِنْ أفقٍ مِنَ الآفاق ترك ما هو فيه - وإنْ كان في الصلاة - حتَّى يستقبله، فيقول: «اللَّهُمَّ! إِنَّا نَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ مَا أُرْسِلَ بهِ»، فإن أمطر قال: «اللَّهُمَّ! صَيِّبًا نَافِعًا، اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»، وإن كشفه الله ولم يمطر؛ حمد الله على ذلك[3].

وفي رواية لابن حبَّان (1006): «كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى في السَّماء ريحًا استقبله من حيث كان، وإن كان في الصَّلاة تعوَّذَ بالله من شرِّه».

فينبغي أن يكون الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُسْوَتَنَا وقدوتَنا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ [الأحزاب].

بل نحن أولى بأن نخاف عذاب الله، ونحذر غضبه وانتقامه بسبب ما فشا في مجتمعنا من الموبقات مثل: القول على الله بغير علم والشِّرك والبغي والإثم والفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فالأمَّة إذا ظهرت فيها هذه الموبقات وعمَّت فهي إلى غضب الله وعقابه أقرب منها إلى رضاه ورحمته.

فالنَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا رأى غيمًا مقبلاً خشي أن يكون عذابًا وتضرَّع إلى الله بالدُّعاء؛ فإذا انجلى ولم يمطر حَمِدَ الله؛ لأنَّه لم يكن فيه عذابٌ، وإذا أمطر قال:«اللَّهُمَّ! صَيِّبًا نَافِعًا».

وكان من هديه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوَّل ما ينزل المطر أن يخرج يمشي تحته، قال أنس - رضي الله عنه -: «أصابَنا ونحن مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مطرٌ؛ فحسر رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثوبه حتَّى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: «لأنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ برَبِّهِ تَعَالَى»[4].

فالسَّحاب الَّذي نراه قد يكون فيه الرَّحمة وقد يكون فيه العذاب، وكذلك المطر قد يكون نزوله رحمةً ونعمةً وهو النَّافع، وقد يكون نزوله عقوبةً ونقمةً وهو الضَّارُّ.

ولهذا ينبغي على المسلم إذا رأى سحابًا أن يستعيذ بالله من شرِّه، وإذا نزل المطر أن يسأل الله أن يكون نافعًا غيرَ ضارٍّ اقتداءً برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -.

ومن الواجب على العبد كذلك في هذا المقام أن يُقِرَّ بأنَّ نعمةَ المطر من الله تعالى، وينسب الفضل إليه، فهو سبحانه مُولِي النِّعم ومُسْدِيها، بيَدِه الخيرُ، وهو على كلِّ شيء قدير.

وقد ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما عن زيد ابن خالد - رضي الله عنه - قال: «صلَّى لنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلاةَ الصُّبح بالحديبية على إثْرِ سماءٍ كانت من اللَّيلة[5]، فلمَّا انصرف أقبل على النَّاس، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم! فقال: «قَالَ اللهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي كَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ»[6].

فالقائل عند نزول المطر: مطرنا بفضل الله ورحمته، قد نسب النِّعمة لمعطيها، وأضاف المنَّة لموليها، واعتقد أنَّ نزول هذا الفضل والخير والرَّحمة إنَّما هو محض نعمة الله وآثار رحمته سبحانه.

وأمَّا القائل عند نزول المطر: مطرنا بنَوْء كذا وكذا؛ فلا يخلو من أحدِ أمرين:

إمَّا أن يعتقد أنَّ المنزل للمطر هو النَّجم، وهذا كفرٌ ظاهرٌ ناقلٌ عن الملَّة.

وإمَّا أن يعتقد أنَّ المنْزِل للمطر هو الله، والنَّوءُ سببٌ، فيضيف النِّعمة إلى ما يراه سببًا في نزولها، وهذا من كفر النِّعمة؛ لأنَّ الأنواء ليست من الأسباب لنزول المطر، ولو كانت سببًا؛ فإنَّ الأسباب لا تجعل مع الله شركاءَ وأندادًا وأعوانًا.

 

وكذلك الرِّيح؛ قد تكون نعمةً ورحمةً، وقد تكون عذابًا ونقمةً، وقد علَّمنا النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما نقول إذا هبَّت الرِّيح وخشينا أمرًا نكرهه، فقال: «لاَ تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بهِ، وَنَعُوذُ بكِ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بهِ»[7].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أخَذَتِ النَّاسَ ريحٌ في طريق مكَّة، وعمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - حاجٌّ، فاشتدَّت عليهم، فقال عمر - رضي الله عنه - لمن حوله: من يحدِّثنا عن الرِّيح؟ فلم يرجعوا له شيئًا، وبلغني الَّذي سَأَلَ عنه عمر - رضي الله عنه - من ذلك؛ فاستحثثت راحلتي حتَّى أدركته، فقلت له: يا أمير المؤمنين! أخبرت أنَّك سألتَ عن الرِّيح، وإنِّي سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «الرِّيحُ مِنْ رَوحِ اللهِ تَأْتِي بالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بالعَذَابِ؛ فلاَ تَسُبُّوهَا، وَاسْأَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بهِ مِنْ شَرِّهَا»[8].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «فهذه السُّنَّة في أسباب الخير والشَّرِّ: أن يفعل العبد عند أسباب الخير الظَّاهرة والأعمال الصَّالحة ما يجلبُ اللهُ به الخيرَ، وعند أسباب الشَّرِّ الظَّاهرة من العبادات ما يدفع الله به عنه الشَّرَّ.

فأمَّا ما يخفى من الأسباب؛ فليس العبد مأمورًا بأن يتكلَّف معرفته، بل إذا فعل ما أُمِرَ به وترك ما حظر؛ كفاه الله مؤنةَ الشَّرِّ ويسَّرَ له أسباب الخير: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾»[9].

وصلَّى الله تعالى وسلَّم على نبيِّه محمَّدٍ وعلى آله وصحبه تسليمًا كثيرًا.

 


 

[1]  متَّفق عليه: البخاري (4829)، ومسلم (899).

[2]  أخرجه البخاريُّ (3206) وغيره.

[3]  أخرجه أبو داود (5099)، وابن ماجه (3889)، والبخاري في «الأدب المفرد» (686)، وأحمد (6/ 190)، والنَّسائي في «الكبرى» (1/ 562) من طريق يزيد بن المقدام ابن شريح عن أبيه المقدام عن أبيه عن عائشة به، قال الألباني: «إسناده صحيح»: «الصحيحة» (2758).

[4]  أخرجه مسلم (898).

[5]  أي على إثر مطر.

[6]  البخاري (846)، ومسلم (71).

[7]  أخرجه التِّرمذي (2252) وقال: «حسن صحيح»، وأحمد (5/ 123)، والنَّسائي في «الكبرى» (10770)، والحاكم (2/ 298) عن أبي بن كعب - رضي الله عنه -، «الصحيحة» (2756).

[8]  أخرجه أحمد (2/ 267)، والبيهقي (3/ 361) وغيرهما.

[9]  «المجموع» (35 / 170).