أنت هنا:قضايا تربوية»فضل العلم والتحذير من بعض آفاته

فضل العلم والتحذير من بعض آفاته

  • د.عبد الله البخاري
تم قراءة المقال 4206 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من (مجلة «الإصلاح» - العدد 22)

 

لا يخفى على عاقلٍ مُدركٍ مَا للعلم وأهله من فضلٍ ومكانةٍ في الشَّرع الحنيف؛ فـ «الإنسانُ خُلقَ ظلومًا جهولاً، فالأصل فيه: عدم العلم، وميلُه إلى ما يهواه من الشَّرِّ، فيحتَاج دائمًا إلى علمٍ مفصَّلٍ يزولُ به جهله، وعدلٍ في محبَّته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وكلُّ ما يقوله ويعمله يحتاجُ فيه إلى عدلٍ ينافي ظلمه، فإن لم يمنَّ الله عليه بِالعلم المفصَّل والعدل المفصَّل، وإلاَّ كان فِيه من الجهلِ والظُّلم ما يخرج به عن الصِّراط المستقيم»[1].

وهذا العلمُ المفصَّلُ «قد تكاثرتِ الآيات والأخبار والآثار وتواترت، وتطابقت الدَّلائلُ الصَّريحة وتوافقت، على فضيلته، والحثِّ على تحصيله، والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه»[2]، فَمِنْها:

• قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾ [النساء].

قال شيخ الإسلام ابن القيِّم - رحمه الله -:

«إنَّه سبحانه عدَّد نعمه وفضله على رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -، وجعل من أجلِّها: أن آتاه الكتاب والحكمة وعلَّمه ما لم يكن يعلم»[3].

• قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)﴾ [المائدة].

قالَ الإمام ابن القيِّم - رحمه الله -:

«إنَّ الله سبحانه جعل صيدَ الكلبِ الجاهلِ ميتةً يحرم أكلها‍! وأباح صَيدَ الكلبِ المعلَّم، وهذا أيضًا من شرف العلم: أنَّه لا يباح إلاَّ صيد الكلب العالِم، وأمَّا الكلب الجاهل فلا يحلُّ أكلُ صيدِه؛ فدلَّ على شرف العلم وفضله ...، ولولا مزيَّة العلم والتَّعليم وشرفُهما كان صيدُ الكلبِ المعلَّم والجاهلِ سواءً»[4].

ومن نصوص السُّنَّة النَّبوية:

• ما أخرجه البخاريُّ ومسلم عن معاوية - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَنْ يُردِ اللهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[5].

قال الإمام ابن القيِّم - رحمه الله -: «هذا يدلُّ على أنَّ من لم يفقِّهه في دينه لم يرد بِه خيرًا، كما أنَّ من أراد بِه خيرًا فقَّهه في دينه، ومن فقَّهه في دينه فقد أراد بِه خيرًا, إذا أريد بِالفقه العلم المستلزمُ للعمل.

وأمَّا إن أريد بِه مجرَّد العلم فلا يدلُّ على أنَّ من فَقُهَ في الدِّين فقد أريد بِه خيرًا؛ فإنَّ الفقه حينئذٍ يكون شرطًا لإرادة الخير، وعلى الأوَّل يكون موجِبًا، والله أعلم»[6].

وقال الحافظ النَّوويُّ - رحمه الله -: «فيه فضيلة العلم والتَّفقُّه في الدِّين، والحثُّ عليه, وسببُه أنَّه قائدٌ إلى تقوى الله تعالى»[7].

• ما أخرجه البخاريُّ ومسلم من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «بَيْنَا أنَا نَائِمٌ أُتِيْتُ بِقَدحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بنَ الْخَطَّاب». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «العِلْمُ»[8].

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: «ووجه التَّعبِير بِذلك من جهة اشتراك اللَّبن والعلم في كثرة النَّفع، وكونهما سببًا للصَّلاح؛ فاللَّبنُ للغذاء البدنيِّ، والعلم للغذاء المعنويِّ»[9].

وممَّا أثر عن السَّلف - رضي الله عنهم -:

• قال الإمام البخاريُّ في «صحيحه»: قال عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه -: «تَعَلَّمُوا قَبْل الظَّانِّين»[10].

قال الإمام البخاريُّ - رحمه الله - شارحًا القول: «يعني: الَّذين يتكلَّمون بِالظَّنِّ».

قال الحافظ النَّوويُّ - رحمه الله - عقب قول الإمام البخاري: «معناه: تعلَّموا العلم من أهله المحقِّقين الورعين قبل ذهابِهم ومجيء قوم يتكلَّمون في العلم بِمثل نفوسهم وظنونهم الَّتي ليس لها مستند شرعيٌّ»[11].

وذكر الحافظُ ابن حجرٍ - رحمه الله - وجوهًا أُخرى في معنى أثر عقبة - رضي الله عنه -، ومنها: «وقيل: مراده: قبل اندراس العلم وحدوث من يتكلَّم بِمقتضى ظنِّه غير مستنِدٍ إلى علمٍ»[12].

• قال سهل بن عبد الله التَّستري - رحمه الله -: «ما أحدث أحدٌ في العلم شيئًا إلاَّ سُئِلَ عنه يوم القيامة؛ فإن وافق السُّنَّة سلم وإلاَّ فهو العطب»[13].

• قال صالح بن مهران الشَّيباني - رحمه الله -: «كلُّ صاحب صناعة لا يقدرُ أن يعمَلَ في صناعته إلاَّ بآلةٍ، وآلة الإسلام: العلم»[14].

ألا فليشمِّر المؤمن الحصيف عن ساعد الجدِّ والاجتهاد؛ ليدركَ ذلكم الفضل، ويلحَق بِركاب أهله؛ فإنَّ: «أعلى الهِمم في طلب العلم: طلب علم الكتاب والسُّنَّة، والفهم عن الله وعن رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نفس المراد، وعلم حدود المنزَّلِ.

وأخسُّ همم طلاَّب العلم قصْر همَّتهِ على تتبُّع شواذِّ المسائل، وما لم ينزل ولا هو واقعٌ، أو كانت همَّتُه معرفَةَ الاختلاف وتتبُّع أقوال النَّاس، وليس له همَّةٌ إلى معرفة الصَّحيح من تلك الأقوال، وقلَّ أن ينتفعَ واحدٌ من هؤلاء بِعلمه»[15].

ولئن سأل سائلٌ عن حقِيقة العلم النَّافع؟

فالجوابُ فيما قاله الإمام ابنُ رجب الحنبلي - رحمه الله -:

«فالعلم النَّافع من هذه العلوم كلِّها: ضبط نصوص الكتاب والسُّنَّة، وفهم معانيها، والتَّقيُّدُ في ذلك بِالمأثور عن الصَّحابة والتَّابعين وتابِعيهم؛ في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزُّهد والرَّقائق والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد في تميِيز صحيحه من سقيمه أوَّلاً، ثمَّ الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهُّمه ثانيًا، وفي ذلك كفايةٌ لمن عقل، وشغلٌ لمن بِالعلم النَّافع عُنِيَ واشتغل, ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل واستعانه عليه، أعانه وهداه، ووفَّقه وسدَّده وفهَّمَه وألهمه، وحينئذٍ يثمر له هذا العلمُ ثمرتَه الخاصَّة به، وهي: خشية الله كما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وقال ابن مسعودٍ وغيرُه: كفى بِخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلاً ...»[16].

وإنَّ من الكلمات المهمَّة والمضيئة في الباب، كلمة الإمام الشَّافعي - رحمه الله - حيث قال في كتابه الفذِّ «الرِّسالة»: «والنَّاس في العلم طبقاتٌ، موقعُهم من العلم بِقدر درجاتهم في العلم به - يعني العلم بكتاب الله - عزَّ وجلَّ -.

فحقٌّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جَهدِهم في الاستكثار من علمه، والصَّبر على كلِّ عارضٍ دون طلبه، وإخلاص النِّيَّة لله في استدراك علمه، نصًّا واستنباطًا، والرَّغبة إلى الله في العون عليه؛ فإنَّه لا يُدرَكُ خيرٌ إلاَّ بِعونه.

فإنَّ من أدرك علم أحكامِ الله في كتابه نصًّا واستدلالاً، ووفَّقه الله للقول والعمل بِما علم منه: فاز بِالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونوَّرت في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدِّين موضعَ الإمامةِ»[17].

إذ هي جريمة عظيمة، وأمرٌ قبيحٌ، وكذبٌ وافتياتٌ على الله - جلَّ في علاه -، وهو أمرٌ لم يبحه الله عز وجل لأحدٍ، حتَّى قال - عزَّ وجلَّ - عن خليله ورسوله محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - - وقد عصمه من ذلك، فكيف بِمن دونه؟!! -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾ [الحاقة].

قال الحافظ ابن كثيرٍ: «يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أي: محمَّد - صلى الله عليه وسلم - لو كان كما يزعمون، مفتريًا علينا فزاد في الرِّسالة أو نقص منها أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك، لعاجلناه بِالعقوبة، ولهذا قال: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، قيلَ معناه: لانتقمنا منه بِاليمين؛ لأنَّها أشدُّ في البطش، وقيل: لأخذنا منه بِيمينه، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال ابن عبَّاسٍ: هو نياطُ القلب، وهو العرق الَّذي القلبُ معَلَّقٌ فيه ...

وقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أي: فما يقدرُ أحدٌ منكم على أن يحجزَ بيننا وبينه إذا أردنا بِه شيئًا من ذلك.

والمعنى في هذا: بل هو صادقٌ بارٌّ راشدٌ؛ لأنَّ الله عز وجل مُقَررٌ له ما يبلِّغه عنه، ومؤيِّدٌ له بِالمعجزات الباهرات والدَّلالات القاطعات»[18].

ومن الأدلَّة في تقرير هذا المقام الخطير والعظيم:

• قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾[الأنعام: 93].

قال العلاَّمة القرطبيُّ:

«قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، أي؛ لا أحد أظلم، ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ أي؛ اختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ فزعم أنَّه نبِيٌّ، ﴿وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾.

إلى أن قال: ومن هذا النَّمط من أعرض عن الفقه والسُّنن وما كان عليه السَّلف من السَّنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بِكذا!!

فيحكمون بِما يقع في قلوبِهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أنَّ ذلك لصفائها من الأكدار وخلوِّها عن الأغيار، فتتجلَّى لهم العلوم الإلهيَّة والحقائق الرَّبَّانيَّة، فيقفون على أسرار الكلِّيَّات ويعلمون أحكام الجزئيَّات فيستغنون بِها عن أحكام الشَّرائع الكليَّات، ويقولون: هذه الأحكام الشَّرعيَّة العامَّة، إنَّما يحكم بِها على الأغبِياء والعامَّة، وأمَّا الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النُّصوص»[19].

وقال العلاَّمة السَّعدي: «يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلمًا ولا أكبر جرمًا ممَّن كذب على الله بِأن نسب إلى الله قولاً أو حكمًا وهو تعالى بريءٌ منه، وإنَّما كان هذا أظلم الخلق؛ لأنَّ فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها وفروعها ونسبة ذلك إلى الله ما هو من أكبر المفاسد»[20].

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116)﴾ [النحل].

قال الحافظ ابن كثيرٍ:

«نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الَّذين حلَّلوا وحرَّموا بِمجرَّد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بِآرائهم ... - إلى أن قال - ويدخل في هذا كلُّ من ابتدع بِدعةً ليس له فيها مستندٌ شرعيٌّ، أو حلَّل شيئًا ممَّا حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا ممَّا أباح الله، بِمجرَّد رأيه أو تشهِّيه ـ إلى أن قال ـ ثمَّ توعَّد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدُّنيا ولا في الآخرة، أمَّا في الدُّنيا فمتاعٌ قليلٌ، وأمَّا في الآخرة فلهم عذابٌ أليمٌ، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)﴾ [لقمان]»[21].

ويدخل في الكذب على الله الكذب على رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؛ لأنَّ السُّنَّةَ وحيٌ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم]، وقد توعَّد النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من كذب عليه كما جاء في «الصَّحيحين» في قوله: «إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33)﴾ [الأعراف].

قال الإمام الهمام ابن القيِّم:

«وقد حرَّم اللَّه سبحانه القول عليه بِغير علمٍ في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظمِ المحرَّمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33)﴾فرتَّب المحرَّمات أربعَ مراتبَ، وبدأ بِأسهلها وهو الفواحشُ، ثمَّ ثنَّى بِما هو أشدُّ تحريمًا منه وهو الإثم والظُّلم، ثمَّ ثلَّث بِما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشِّرك بِه سبحانه، ثمَّ ربَّع بِما هو أشدُّ تحريمًا من ذلك كلِّه وهو القولُ عَليه بِلا علمٍ.

وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بِلا علمٍ في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه، وقال تعالى:﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)﴾ [النحل]، فتقدَّم إليهم سبحانه بِالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرِّمه: هذا حرامٌ، ولما لم يحلَّه: هذا حلالٌ، وهذا بيانٌ منه سبحانه أنَّه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ إلاَّ بِما علم أنَّ اللَّه سبحانه أحلَّه وحرَّمه.

وقال بعض السَّلف: ليتَّق أحدكم أن يقول: «أحلَّ اللَّه كذا، وحرَّمَ كذا، فيقول اللَّه له: كذبت، لم أحلَّ كذا، ولم أحرِّم كذا؛ فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بِتحليله وتحريمه أحلَّه اللَّه وحرَّمه اللَّه لمجرَّدِ التَّقليد أو بِالتَّأويل.

وقد نهى النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث الصَّحيح أميره بريدةَ أن ينزلَ عدوَّه إذا حاصرهم على حكم اللَّه، وقال: «فَإِنَّك لاَ تَدْرِي أَتُصِيب حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك وَحُكْمِ أَصْحَابِك»؛ فتأمَّل كيف فرَّق بين حكم اللَّه وحكم الأمير المجتهدِ، ونهى أن يسمَّى حكم المجتهدين حكمَ اللَّه.

ومن هذا لمَّا كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - حكمًا حكم به فقال: هذا ما أرى اللَّه أمير المؤمنين عمر، فقال: «لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمِيرُ المؤمنين عمر بن الخطَّابِ»[22].

وقال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: «لم يكن من أمر النَّاس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدًا أقتدي بِه يقول في شيءٍ: هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنَّما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنًا؛ فينبغي هذا، ولا نرى هذا» ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: «ولا يقولون: حلالٌ ولا حرامٌ، أما سمعت قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)﴾ [يونس]، الحلال: ما أحلَّه اللَّه ورسوله، والحرام: ما حرَّمه اللَّه ورسوله».

وقال الإمام ابن القيِّم أيضًا: «وأمَّا القول على الله بلا علمٍ، فهو أشدُّ هذه المحرَّمات تحريمًا، وأعظمها إثمًا، ولهذا ذُكرَ في المرتبة الرَّابعة من المحرَّمات الَّتي اتَّفقت عليها الشَّرائع والأديان، ولا تباح بحالٍ، بل لا تكون إلاَّ محرَّمةً، وليست كالميتة والدَّم ولحم الخنزير، الَّذي يباح في حالٍ دون حالٍ.

فإنَّ المحرَّمات نوعان:

محرَّمٌ لذاته، لا يباحُ بحالٍ.

ومحرَّمٌ تحريمًا عارضًا في وقتٍ دون وقتٍ.

قال الله تعالى في المحرَّم لذاته: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، ثمَّ انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ثمَّ انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، ثمَّ انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33)﴾.

فهذا أعظم المحرَّمات عند الله وأشدُّها إثمًا، فإنَّه يتضمَّن الكذبَ على الله، ونسبتَهِ إلى ما لا يليق به، وتغيِيرَ دينه وتبديله، ونفيَ ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حقَّقه، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحُبَّ ما أبغضه وبغض ما أحبَّه، ووصفه بِما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.

فليس في أجناس المحرَّمات أعظم عند الله منه، ولا أشدُّ إثمًا، وهو أصل الشِّرك والكفر، وعليه أسِّست البِدعُ والضَّلالاتُ، فكلُّ بِدعةٍ مضلَّةٍ في الدِّين أساسها القول على الله بِلا علمٍ.

ولهذا اشتدَّ نكير السَّلف والأئمَّة لها، وصاحوا بِأهلها من أقطار الأرض، وحذَّروا فتنتهم أشدَّ التَّحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش، والظُّلم والعدوان، إذ مضرَّةُ البِدع وهدمها للدِّين ومنافاتها له أشدُّ.

وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيءٍ أو تحريمه من عنده بِلا برهانٍ من الله، فقال:﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الآية، فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه وتعالى ما لم يصف به نفسه؟ أو نفى عنه منها ما وصف بِه نفسه؟!

قال بعض السَّلف: ليحذر أحدكم أن يقولَ: أحلَّ الله كذا، وحرَّم الله كذا، فيقول الله: كذبت، لم أحلَّ هذا، ولم أحرِّم هذا.

يعني التَّحليلَ والتَّحريمَ بِالرَّأي المجرَّد، بِلا برهانٍ من الله ورسوله.

وأصل الشِّرك والكفر هو: القول على الله بلا علمٍ، فإنَّ المشركَ يزعم أنَّ من اتَّخذه معبودًا من دون الله يقرِّبه إلى الله، ويشفع له عنده، ويقضي حاجته بِواسطته، كما تكون الوسائط عند الملوكِ، فكلُّ مشرِكٍ قائلٌ على الله بِلا علمٍ، دون العكس، إذ القول على الله بِلا علمٍ قد يتضمَّن التَّعطيلَ والابتداعَ في دين الله، فهُو أعمُّ من الشِّرك، والشِّرك فردٌ من أفراده.

ولهذا كان الكذب على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موجِبًا لدخول النَّار، واتِّخاذ منزله منها مُبوَّأً، وهو المنزل اللاَّزم لا يفارقه صاحبُه، لأنَّه متضمِّنٌ للقول على الله بِلا علمٍ، كصريح الكذب عليه؛ لأنَّ ما انضاف إلى الرَّسول فهو مضافٌ إلى المرسِل، والقولُ على الله بِلا علمٍ صريحُ افْتراء الكذبِ عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 93].

فذنوب أهل البِدع كلُّها داخلةٌ تحت هذا الجنس، فلا تتحقَّق التَّوبة منه إلاَّ بالتَّوبة من البدع، وأنَّى بالتَّوبة منها لمن لم يعلم أنَّها بدعةٌ، أو يظنُّها سنَّةً، فهو يدعو إليها، ويحضُّ عليها؟ فلا تنكشف لهذا ذنوبه الَّتي تجب عليه التَّوبة منها إلاَّ بِتضلُّعِه من السُّنَّة، وكثرة اطِّلاعه عليها، ودوام البحث عنها والتَّفتيشِ عليها، ولا ترى صاحب بِدعةٍ كذلك أبدًا»[23].

وأخيرًا أقول:

للشَّيخ العلاَّمة عبد الرَّحمن السَّعدي - رحمه الله - كلامٌ نفيسٌ في أهمِّيَّة قولِ «المُعلِّم» لـ «المتعلِّم» جَوابًا فيما لا يعلمه: «الله أعلم»، قال في رسالةٍ مختصرةٍ نافعةٍ في «آداب المعلِّم والمتعلِّم»:

«ليس هذا بناقصٍ لأقدارهم، بل هذا ممَّا يزيد قدرهم، ويستدَلُّ به على دينهم، وتحرِّيهم للصَّواب.

وفي توقُّفه عمَّا لا يعلم فوائد كثيرة:

منْها: أنَّ هذا هو الواجب عليه.

ومنها: أنَّه إذا توقَّف وقال: لا أعلم، فما أسرَعَ ما يأتيهِ علم ذلك، إمَّا من مراجعته أو مراجعة غيره، فإنَّ المتعلِّمَ إذا رأى معلِّمه توقَّف جدَّ واجتهد في تحصيل علمها وإتحاف المعلِّمِ بِها، فما أحسن هذا الأثر.

ومنها: أنَّه إذا توقَّف عمَّا لا يعرف كان دليلاً على ثقتهِ وإتقانه فيما يجزمُ به من المسائل، كما أنَّ من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعيًا للرَّيب في كلِّ ما يتكلَّم به، حتَّى في الأمور الواضحة.

ومنها: أنَّ المعلِّم إذا رأى منه المتعلِّمون توقُّفه عمَّا لا يعلم، كان ذلك تعليمًا لهم وإرشادًا إلى هذه الطَّريقة الحسنة، والاقتداء بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بِالأقوال ... »[24].

قلت: فهذه بعض الفوائد المرتَّبة على قول المعلِّم: «الله أعلم»، فلا شكَّ أنَّ قولها من «المتعلِّم» آكدُ وألزمُ.

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ [هود].

أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يوفِّقنا جميعًا لما يحبِّه ويرضاه، وأن يجعلنا هداةً مهتدين غير ضالِّين ولا مضلِّين، إنَّه سميعٌ مجيبٌ، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.


 

[1]  قاله شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - فِي «قاعدة في أنواع الاستفتاح في الصَّلاة» (40).

[2]  قاله الحافظ النووي - رحمه الله - في «مقدمة المجموع» (1/ 40) بتصرف يسير.

[3]  «مفتاح دار السَّعادة» (1/ 52).

[4]  «مفتاح دار السَّعادة» (1/ 55).

[5]  البخاري (71) , ومسلم (1037).

[6]  «مفتاح دار السَّعادة» (1/ 60).

[7]  «شرح صحيح مسلم» (7/ 128).

[8]  البخاري (82) , ومسلم (2391).

[9]  «فتح الباري» (7/ 46).

[10]  (كتاب الفرائض/ باب تَعليم الفرائض 12/ باب 2/ 4 - فتح).

[11]  «المجموع» (1/ 42).

[12]  «فتح الباري» (12/ 4).

[13]  «جامع بيان العلم» (2/ 1085).

[14]  «طبقات المحدِّثين بأصبهان» (2/ 216).

[15]  قاله الإمام ابنُ القيِّم في كتابه المفيد «الفوائد» (60).

[16]  في كتابه النَّافع «فضل علم السَّلف على علم الخلف» (45).

[17]  (رقم 44 - 45 - 46/ 19).

[18]  «تفسير ابن كثير» (4/ 415).

[19]  «الجامع لأحكام القرآن» (7/ 41).

[20]  «تفسير السَّعدي» (226).

[21]  «تفسير ابن كثير» (2/ 590).

[22]  في كتابه العظيم «إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين» (1/ 38).

[23]  «مدارج السَّالكين» (1/ 372).

[24]  (ص27).