أنت هنا:قضايا تربوية»قرة العينين في أحكام بر الوالدين ـ الجزء 1

قرة العينين في أحكام بر الوالدين ـ الجزء 1

  • أمينة حداد
تم قراءة المقال 2926 مرة

 

إن من الحقائق التي لا ينبغي للناس أن يختلفوا فيها أن الأمة موهونة وَهَنًا سرى في دينها واستشرى في قيمها وأخلاقها، حتى اتسع الخرق على الراقع، ولم يكد يُعلم أي أدوائها أشد في الواقع.

وإن من العلل القوادح والآفات الفوادح إضاعة الخلق حقوق بعضهم بعضا بجحد المعروف، ومقابلة الإحسان بالعزوف، حتى ضاع ما للوالدين من حقوق، وجوهروا بالعقوق، وصارت السلامة عند الآباء من شر الأبناء غاية مرادهم، وصفو أمنيتهم.

فمن الولد من استجمع في معاملته لوالديه أوصاف كل دنيء زنيم، سخيف لئيم؛ كأنه شيطان مارد من شدة ما يسيء ويعاند، فإن خفت شروره قليلا جعل والديه كالنار يدفأ بها ولا يخالطها، ويظن مع ذلك أن له حقا على والديه يستطيل به عليهما.

فليعلم العاق إن كان ذا عقل أن أداء حق الوالدين من تمام العقل قبل أن يكون من كمال الدين، قال الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}[الأنعام:151].

فقد أفادت الآية أنه بقدر كمال عقل العبد يكون قيامه بما أوصى الله به، ومن جملة ذلك بره بوالديه، ولا غرو في ذلك فإن المنطق السليم والفكر القويم ليرشدان إلى مقابلة الإحسان بمثله، فكم لهما عليك من إفضال وامتنان، كم نالتك بفضلهما من مسرة وتَوَقَّيْت بسببهما من مضرة، كم أنعشاك من سقطة وانتشلاك من ورطة، كم أنفقا عليك من مخبأ مكنوز في سائر الأحوال حتى قالوا صِرتَ أَرَضَة للمال، ذنبك عندهما مغفور، وجرمك مستور، لم يزالا قائمين عليك وأنت شبه تمثال ملفوف في سِربال لا يُسعف منك نطق ولا بيان حتى صرت متين الأركان طليق اللسان، فكن لهما موافقا وجانب أن تكون مفارقا، كن لهما عونا ظاهرا واحذر أن تكون عدوا مظاهرا، كن لهما دواء ولا تكن لهما داء، تحرّ مَسَرَّتهما وتَوَخَّ مَبَرَّتهما، واعلم أنك لن تبلغ تمام شكرهما إلا بالعتق الذي هو الفَكُّ من الرِّقِّ، قال النبي ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيه فَيُعْتِقه»(1)، وهذا في زماننا صعب عسير، بل محال في التقدير فابق أنت العاجز الحسير.

إن الله قد قرن في الآية الآنفة الذكر توحيده في عبادته ببر الوالدين، وقد جرت العادة بذلك في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[الإسراء:23]، وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}[لقمان:14]، إلى غير ذلك من الآيات.

ولا شك أن الله لم يجعل بر الوالدين مقرونا بتوحيده دائما إلا لعظمة بر الوالدين، فإن برهما من أعظم الحسنات والقربات عند الله.

وقد رتب النبي ﷺ فضل بر الوالدين بعد الصلاة التي هي عمود الدين، وفضَّله على الجهاد الذي به يكون استبقاء شوكة المسلمين ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثُمَّ بِرّ الوَالِدَيْنِ»، قلت: ثم أي قال: «ثُمَّ الجِهَاد فِي سَبِيلِ اللهِ» (2).

فإن قيل: ما هو البر الذي أمر الله به ورسوله؟

فالجواب: «أن الله قد أطلق الإحسان إليهما، فكل إحسان قولي أو فعلي بحسب أحوال الوالدين والأولاد والوقت والمكان؛ فإنه من البر، ويرجع في ذلك إلى العرف والعادة، فكل ما عدَّه الناس إحسانا فهو داخل في الإحسان المأمور به»(3).

فيكون من بر الوالدين الإحسان إليهما بالقول اللين الدال على الرفق بهما والمحبة لهما وتجنب غليظ القول الموجب لنفرتهما، وبمناداتهما بأحب الألفاظ إليهما كيا أبي ويا أمي ويقول لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما، ويعلمهما ما يحتاجان إليه من أمور دينهما ويعاشرهما بالمعروف، فيطيعهما في جميع ما يأمران به، وفي ترك ما لا ضرر عليه في تركه، ولا يتقدم عليهما في المشي إلا لضرورة نحو ظلام، ولا يحد النظر إليهما ولا يرفع صوته عليهما.

قيل للحسن البصري: «ما بر الوالدين؟» قال: «تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك ما لم تكن معصية»(4).

وإن من السلف أبناءً بذلوا في بر والديهم من الأعمال ما صار مضربا للأمثال، قال المأمون: «ما رأيت أحدا أبر من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء سخن، وهما في السجن فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من نار المصباح، فلم يزل قائما وهو في يده حتى أصبح»(5).

وعن ابن عون قال: «كان محمد بن سيرين إذا كان عند أمه، لو رﺁه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضا من خفض كلامه عندها».

وعن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: «قومي ضعي قدمك على خدي»(6).

إنها ليست روايات سمر، وأخبار تطوى مع من مضى من أصحابها وغبر، بل هي ذكرى لمن يتذكر، وبلاغ لمن يفهم ويتدبر.

أبصر أبو هريرة رجلين فقال: من هذا منك؟ فقال: أبي، فقال: «لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله»(7).

فهذا أبو هريرة ينهى عن مناداة الابن أباه باسمه؛ إجلالا له وتوقيرا، فكيف لو سمع من ينادي أباه بـ «الشيخ» أو أمه بـ «لعجوز» وهذا بعدما بلغا من العمر سنا يصير الإحسان إليهما وتوقيرهما أمرا لازما وحتما واجبا.

قال الله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء:23-24]، فأمر في هذه الآية بخفض الجناح وهو التواضع لهما والتذلل، فإن الطائر إذا أراد الطيران والعلو نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع، فإذا ترك ذلك خفضهما، وهو أيضا إذا رأى جارحا يخافه لصق بالأرض وألصق جناحيه وهي غاية خوفه وتَذَلُّـله.

واعلم أن حق الأم في البر أوكد؛ لأن معاناتها في إصلاح ولدها أشق وأشد، فعن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني كان بطني له وِعَاًء، وثديي له سِقاءً، وحِجْري له حَواءً، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»(8)، فقد ذكرت هذه المرأة عن نفسها من المبررات ما أقره النبي ﷺ وجعله سببا لتقديم حضانة الأم على الأب فإنها شاركت الأب في الولادة وزادت عليه بهذه الخصوصيات فكان الولد أمس بها وأقرب رحما.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة»(9)، وشهد ابن عمر رجلا يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره يقول:

إنِّـي لـهَـا بعيـرُها الـمُذَلَّل إن أَذْعَرتْ رِكابُـها لَـمْ أُذْعَرْ
حَـمَلْتُها أكثَـرَ مـمَّا حَـَملتْ فهل تُرى جَازيتُها يا ابْنَ عُمَرْ
ثم قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: «لا، ولا بزَفْرة واحدة»(10)

ولذلك رتب الشارع الحكيم للأم ثلاثة أرباع البر ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله! من أبر؟ قال: «أُمَّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «أُمَّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «أُمَّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «أُمَّكَ»، ثم عاد الرابعة فقال: «أَبَاكَ»(11).

وإذا كان بر الوالدة مقدَّم على بر الأب فإنه ينبغي أن يعلم أيضا أنَّ حقَّها مقدم عند الازدحام؛ فإن تعارض برهما بأن كان في طاعة أحدهما معصية للآخر فإنه ينظر، إن كان أحدهما يأمر بطاعة والآخر بمعصية، فإن عليه أن يطيع الآمر بالطاعة منهما لقوله ﷺ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ»(12)، وعليه أن يصاحبه بالمعروف للأمر بذلك {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[لقمان:15] وهي وإن كانت نزلت في الأبوين الكافرين، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

أما إن تعارض برهما في غير معصية، وحيث لا يمكن إيصال البر إليهما دفعة واحدة قدمت الأم، قال القرطبي: «إن حقهما ـ وإن كان واجبا ـ فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه»(13)، وعلى هذا مذهب الجمهور.

وتقديم حق الأم لا يعني الإفضاء إلى عقوق الأب، بل على الولد تحري برهما جميعا، حكى الباجي أن امرأة كان لها حق على زوجها فأفتى بعض الفقهاء ابنها بأن يتوكل لها على أبيه، فكان يحاكمه ويخاصمه في المجالس تغليبا لجانب الأم، ومنعه بعضهم من ذلك، قال: «لأنه عقوق والحديث إنما دل أن بره أقل من بر الأم لا أن الأب يعق».

وإنه ليسع الحصيف اللبيب والذكي الأريب تحري برهما جميعا من غير إسخاط أحدهما فقد روي أن رجلا قال لمالك: والدي في السودان كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك، فقال له مالك: «أطع أباك، ولا تعص أمك» يعني أنه يبالغ في رضا أمه بسفره لوالده ولو بأخذها معه ليتمكن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمه.

ومن فوائد تقديم حق الأم أنه لو وجبت النفقة على الولد لأبويه، ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما، فتقدم الأم على الأب في أصح الروايات عند الحنفية والمالكية والشافعية وهو رأي عند الحنابلة(14).

(يتبع)



(1) رواه مسلم (1510).

(2) رواه البخاري (527)، مسلم (132)

(3) «بهجة قلوب الأبرار» (361)، «نور البصائر والألباب» (68) كلاهما للسعدي.

(4) «جامع ابن أبي زيد» (231).

(5) «المجالسة» للدينوري (7 /321).

(6) «سير أعلام النبلاء» بواسطة «منجد الخطيب» (1 /282 ـ 288).

(7) «صحيح الأدب المفرد» رقم (32).

(8) أبو داود (2276)، أحمد (2 /182).

(9) «صحيح الأدب المفرد» (4).

(10) «صحيح الأدب المفرد» (9)، وفيه زيادة من «فضل الله الصمد» (1 /67).

(11) «صحيح الأدب المفرد» (5).

(12) رواه البخاري (6830) ومسلم (1840).

(13) «المفهم» (6 /508).

(14) «شرح مسلم» للنووي (16 /338)، «فتح الباري» (10 /493)، «فضل الله» (1 /52)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (8 /68).

 

*منقول من مجلة الإصلاح «العدد 5»