أنت هنا:قضايا تربوية»العلم والعمل

العلم والعمل

  • عبد القادر بوجمعة
تم قراءة المقال 2968 مرة

 

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون}[الصف:2-3].

أخرج الإمام الطَّبري في «تفسيره» عن ابن عبَّاس رضي الله عنه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون}[الصف:2]، قال: كان ناسٌ من المؤمنين قبل أن يُعرض الجهاد يقولون: لوددنا أنَّ الله دلَّنا على أحبِّ الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيَّه أنَّ أحبَّ الأعمال إليه: إيمانٌ بالله لا شكَّ فيه، وجهادُ أهل معصيته الَّذين خالفوا الإيمان ولم يقرُّوا به، فلمَّا نزل الجهاد، كره ذلك أناس من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمره، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون}[الصف:2](1).

وإذا كانت العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب كما هو مقرَّر في علم الأصول، فإنَّ الآية الكريمة وإن نزلت توبيخًا من الله لقومٍ من المؤمنين تمنَّوا معرفة أفضل الأعمال فعرَّفهم الله، فلمَّا عرفوا قصروا، فعوقبوا، إلاَّ أنَّ الآية تبقى أبعد مدى من الحادثة الَّتي نزلت من أجلها وأشمل لحالات كثيرة غير الحالة الَّتي نزلت بسببها، فهي تحيط بكلِّ حالة من الحالات الَّتي يقع فيها الانفصام بين الإيمان والعمل أو بين القول والعمل أو العلم والعمل.

والعلم لا يُراد به أصلاً إلاَّ العمل، وكلُّ علم لا يفيد عملاً، ولا يتوقَّف عليه حفظ مقاصد الشَّريعة فليس في الشَّرع ما يدلُّ على استحسانه، وليس عالِمًا ذاك الَّذي لم يعمل بعلمه ولا يستحقُّ وصف التَّكريم هذا:

قد روى ابن عبد البرِّ رحمه الله بسنده عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: «تعلَّموا ما شئتم أن تعلموا فإنَّ الله لا يأجركم على العلم حتَّى تعملوا به، إنَّ همَّتهم الوِعاية وإنَّ السفهاء همَّتهم الرِّواية»(2).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إنَّ النَّاس أحسنوا القول كلَّهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الَّذي أصاب حظَّه، ومن خالف قولُه فعلَه فإنَّما يوبِّخ نفسَه»(3).

وعن الحسن رحمه الله قال: «اعتبروا النَّاس بأعمالهم ودعوا أقوالهم، فإنَّ الله لم يدع قولاً إلاَّ جعل عليه دليلاً منْ عمل يصدِّقه أو يكذِّبه، فإذا سمعت قولاً حسنًا فرويدًا بصاحبه فإنْ وافق قولُه فعلَه فنعم ونعمت عين»، وقال أيضا ـ عليه رحمة الله ـ: «العالم الَّذي وافق علمُه عملَه، ومن خالف علمه عمله فذلك راوية حديث سمع شيئًا فقاله»(4).

فالذين لا يعملون بعلمهم ولا يتسق سلوكهم مع علمهم ـ فضلاً عن أن يكونوا من الرَّاسخين في العلم ـ هم رواة أخبار وحفظة أسفار، أو هم ممَّن غلب عليهم الهوى فغطى على قلوبهم كما قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين}[القصص:50].

والعمل بالعلم من أهمِّ ما يثبت العلم، بل هو المقصد الأصلي لطلب العلم، وقد جاء عن السَّلف: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلاَّ ارتحل»(5)، وقال وكيع: «كنَّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به»(6)، وقال الثَّوري: «العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا...».

وهنا ينبغي أن يوجه اللَّوم، والعتاب كلُّ العتاب، لمن لا يعمل بعلمه، وحسبك أنَّ الله تعالى سمَّى ذلك الانفصام بين القول والعمل مقتًا، بل جعله أكبر المقت وأشدَّ البُغْضِ، فقال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون}[الصف: 3]، وما سمَّى الله تعالى شيئًا بهذا الاسم، ولا أطلقه عليه إلاَّ في أمرين:

أوَّلهما: الجدال في الله وآياته بغير سلطان وعلم، فقال سبحانه: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا}[غافر:35].

وثانيهما: نكاح الرَّجل زوجة أبيه المتوفَّى عنها أو المطلَّقة، كما كان يفعله الجاهليُّون، فقال سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلا}[النساء:22].

ومن هنا نعلم عظم الآفة الكبيرة والدَّاء الخطير في الانفصام بين القول والعمل أو بين الإيمان والسُّلوك.

فالمؤمن لا يخالف قولُه فعلَه، وهو الَّذي يبدأ بنفسه أوَّلاً، فيحملها على الخير والبرِّ قبل أن يتوجَّه بهما إلى غيره ليكون بذلك الأسوة الحسنة والقدوة المثلى لمن يدعوهم، وليكون لكلامه ذلك التَّأثير في نفوس السَّامعين الَّذين يدعوهم، فهو يدعو بعمله وسلوكه قبل أن يدعوَ بقوله وكلامه، ولنا في رسول الله ﷺ خير أسوة، فقد كان ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ إذا أمر النَّاس بأمر كان أشدّ النَّاس تمسُّكًا به، فعن سعيد بن هشام قال: سألت أمَّ المؤمنين رضي الله عنها فقلت: أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ، فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: «كان خلقه القرآن»(7)، وهي إجابة دقيقة من عائشة رضي الله عنها، فما أمره القرآن بشيء امتثله، وما نهاه عن شيء تركه، فهي إجابة منها رضي الله عنها موجزة وجامعة أيضًا، تحمل في طيَّاتها كلَّ ما يخطر على بال المرء من أخلاق الكمال وصفات العظمة، فحسبك أن يكون ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ترجمة عمليَّة حيَّة للقرآن الكريم، فإذا أردت أن تعرف أخلاق الرَّسول ﷺ فانظر في القرآن الكريم واقرأ ما فيه من الآيات التي تحث على الأخلاق... وإذا أردت أن ترى القرآن الكريم واقعًا عمليًّا في حياة النَّاس فانظر إلى خلق رسول الله ﷺ وادرس سيرته بكلِّ وعي وعناية واهتمام وعزيمة صادقة، تحمل على التَّأسِّي والمتابعة، فكلُّ واحد منها يدلُّ على الآخر...

وإنَّها لمصيبة كبيرة وخسارة ما بعدها خسارة، أن ينطلق المسلم، يدعو غيره إلى البرِّ والهدى والخير، ولكن يترك نفسه بمعزل عن ذلك:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ مَثَلُ الفَتِيلَةِ تُضِيءُ عَلَى النَّاسِ وَتُحْرِقُ نَفْسَهَا»(8).

وعن جندب بن عبد الله الأزدي رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ للنَّاسِ وَيُحْرِقُ نَفْسَهُ»(9).

ولأجل هذا كلِّه جاءت القاعدة الَّتي تقول: «كلَّما كانت الرُّتبة في العلم عالية كانت المؤاخذة على فقدان العمل شديدة وصارمة»، وهذه قاعدة من القواعد العظيمة في الدِّين تُلزم كلَّ من علم أن يعمل، ولا يتوانى في العمل، وتقضي بأنَّ الَّذين يفضِّلون العلم عن العمل ليسوا على شيء، وإنَّما أمرهم إلى الله هو يقضي بينهم بحكمه وهو العليم الحكيم.

والأدلَّة على هذه القاعدة من الكتاب والسُّنَّة كثيرة نسوق منها.

1 ـ قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا* إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}[الإسراء:74-75].

قال القرطبيُّ رحمه الله: «قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي على الحقِّ وعصمناك من موافقتهم، {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} أي تميل، {شَيْئًا قَلِيلا} أي رُكُونًا قليلاً.

قال قتادة: لمَّا نزلت هذه الآية قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ «اللَّهُمَّ لاَ تَكلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»، وقيل: ظاهر الخطاب للنَّبيِّ ﷺ وباطنه إخبار عن ثقيف، والمعنى وإن كادوا ليركنونك، أي كادوا يخبرون عنك بأنَّك مِلْتَ إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازًا واتِّساعا، كما تقول لرجل: كدت تقتل نفسك أي كاد النَّاس يقتلوك بسبب ما فعلت، ذكره المهدوي.

وقيل: ما كان منه همٌّ بالرُّكون إليهم، بل المعنى: ولولا فضل الله عليك لكان منك ميلٌ إلى موافقتهم، ولكن تَمَّ فضل الله عليك فلم تفعل، ذكره القشيري.

وقال ابن عبَّاس: وكان رسول الله ﷺ معصومًا، ولكن هذا تعريف للأمَّة لئلاَّ يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه.

وقوله: {إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدُّنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة، قاله ابن عبَّاس ومجاهد وغيرهما، وهذا غاية الوعيد، وكلَّما كانت الدَّرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم، وضعف الشَّيء مثله مرَّتين، وقد يكون الضّعف النَّصيب كقوله عز وجل: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ}[الأعراف:38] أي نصيب»(10).

2 ـ وقوله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا}[الأحزاب:30-31].

قال ابن كثير رحمه الله: «لمَّا كانت محلتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذَّنب لو وقع منهنَّ مغلَّظًا صيانةً لجنابهنَّ وحجابهنَّ الرَّفيع»(11).

قال القرطبي رحمه الله: «جعل الله ثواب طاعتهنَّ وعقاب معصيتهن أكثر ممَّا لغيرهنَّ فقال: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} فأخبر تعالى أنَّ من جاء من نساء النَّبيِّ ﷺ بفاحشة ـ والله عاصم رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام من ذلك ـ يضاعف لها العذاب ضعفين لشرف منزلتهنَّ وفضل درجتهنَّ وتقدُّمهن على سائر النِّساء أجمع.

وكذلك بيَّنت الشَّريعة في غير ما موضع أنَّه كلَّما تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات ولذلك ضوعف حدّ الحرِّ على العبد والثَّيِّب على البكر»(12).

3 ـ ما روى أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلاَن! مَا شَأْنُكَ؟ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»(13).

قال الألباني رحمه الله: ««يجاء بالرَّجل» أي الَّذي يخالف علمُه عملَه، «الإندلاق»: خروج الشَّيء من مكانه بسرعة، و«الأقتاب»: جمع «قتب» بكسر القاف: الأمعاء، «كما يدور الحمار برحاه» أي الطَّاحون.

فانظر ـ يا أخي! ـ إلى حال من قال ولم يفعل كيف تنصب مصارنه من جوفه وتخرج من دبره ويدور بها دوران الحمار بالطاحون والناس تنظر إليه وتتعجب من هيئته نسأل الله السلامة(14).

4 ـ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِأَقْوَامٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ»، وفي رواية: «وَيَقْرَؤُونَ كِتَابَ اللهِ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ»(15).

ومن أجل ما تقدَّم من آيات الكتاب العزيز وسنَّة النَّبيِّ ﷺ كان العمل بالعلم أمرًا حتمًا على كلِّ من علم، حتَّى يخرج من دائرة وعيد من علم ولم يعمل، ثمَّ تأتي الوصيَّة لطالب العلم أن يقرن عمله بعلمه:

قال الخطيب البغدادي رحمه الله: «ثمَّ إنِّي موصيك يا طالب العلم! بإخلاص النِّيَّة في طلبه وإجهاد النَّفس على العمل بموجبه، فإنَّ العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعدُّ عالِمًا من لم يكن بعلمه عاملا، وقيل: العلم والد والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرِّواية مع الدِّراية، فلا تأنس بالعمل مادمت مستوحشًا من العلم ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصِّرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما، وما شيءٌ أضعف من عالم ترك النَّاس علمه لفساد طريقته وجاهل أخذ النَّاس بجهله لنظرهم إلى عبادته»(16).

وقد بيَّن ابن القيِّم رحمه الله أنَّ وجهًا من وجوه حرمان العلم عدم العمل به فقال: «إنَّ العمل به يوجب تذكُّره وتدبُّره ومراعاته والنَّظر فيه، فإذا أهمل العمل به نسيه.

قال بعض السَّلف: كنَّا نستعين على حفظ العلم بالعمل به.

وقال بعض السَّلف أيضًا: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه حَلَّ وإلاَّ ارتحل، فالعمل به من أعظم أسباب حفظه وثباته، وترك العمل به إضاعة له، فما استدرك العلم ولا استجلب بمثل العمل قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}[الحديد:28]، وأمَّا قوله: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ}[البقرة:282] فليس من هذا الباب، بل هما جملتان مستقلَّتان: طلبيَّة وهي الأمر بالتَّقوى، وخبريَّة وهي قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} أي والله يعلِّمكم ما تتَّقون، وليست جوابًا للأمر بالتَّقوى، ولو أريد بها الجزاء لأتى بها مجزومة مجرَّدة عن الواو، فكان يقول: واتقوا الله أو إن تتَّقوه يعلِّمْكم كما قال: {إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}[الأنفال:29](17).

وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرَّة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: قال الله عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60] فما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال إبراهيم: من أجل خمسة أشياء، قال: وما هي؛ قال: عرفتم الله فلم تؤدوا حقَّه وقرأتم القرآن فلم تعملوا بما فيه وقلتم نحبُّ رسول الله ﷺ وتركتم سنَّته، وقلتم نلعن إبليس وأطعتموه، والخامسة تركتم عيوبكم وأخذتم في عيوب الناس(18).

وقال فضيل بن عياض: لا يزال العالم جاهلا بما علم حتَّى يعمل به فإذا عمل به كان عالِمًا»(19).

والآثار في هذا الشَّأن كثيرة وجليلة، وخلاصة ما ذكرنا أنَّ ربط العمل بالعلم أمر حتم لا محيص عنه ولا مفرَّ منه.

فاللَّهمَّ علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم.

 



(1) «تفسير الطبري» (28 /95).

(2) «جامع بيان العلم» (1230).

(3) «جامع بيان العلم» (1233).

(4) «جامع بيان العلم» (242 ـ 245).

(5) «اقتضاء العلم العمل» (ص36).

(6) «سير أعلام النبلاء» (6 /228).

(7) رواه أحمد (24645)، ومسلم (746).

(8) رواه البزَّار، وصحَّحه الألباني: «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» (1 /65)

(9) رواه الطبراني في «الكبير»، وصحَّحه الألباني (المصدر السابق).

(10) «تفسير القرطبي» (ص3916).

(11) «تفسير ابن كثير» (3 /482).

(12) «تفسير القرطبي» (ص5256).

(13) رواه البخاري (2989) ومسلم (3094)، واللَّفظ له.

(14) «صحيح الترغيب والترهيب» (1 /161).

(15) رواه ابن أبي الدُّنيا وابن حبَّان والبيهقي، وصحَّحه الألباني في «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» (2 /289).

(16) «اقتضاء العلم العمل» (ص14).

(17) «مفتاح دار السَّعادة» (1 /182).

(18) «جامع بيان العلم» (242).

(19) «اقتضاء العلم العمل» (42).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 09»