أنت هنا:قضايا تربوية»اغتنام الحياة

اغتنام الحياة

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1592 مرة

 

إنَّ ممَّا اتَّفق عليه العقلاء قاطبة أنَّ الرَّشيد هو من اغتنم الفرص ولم يضيِّعها، واستفاد ممَّا أُتيح له ولم يفوِّته، وأنَّ السَّفيه من ضاعت عليه الفرص كالصَّائد الَّذي تمرُّ عليه الظِّباء وهو ينظر إليها ولا يحرِّك ساكنًا.

والمسلم يتعيَّن عليه أن يكون أكثر النَّاس رشدًا وفطنة ونباهة، فلا يتردَّد في اقتناص الفرص واغتنام الأوقات؛ بل قالوا: «إنَّ سرَّ نجاح المرء في الحياة في مدى استعداده لاغتنام الفرص السَّانحة».

وإنَّ أعظم فرصة للمسلم الَّتي لا يليق به أن يفرِّط فيها هي حياته الَّتي هي مجموعة أنفاسه وأوقاته، ومدَّة مكثه فوق الأرض يدبُّ عليها، واغتنامُه لها بأن يجعلها في طاعة الله عز وجل ولا تخرج عن دائرة تحقيق العبوديَّة والتَّوحيد لله سبحانه ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين[الأنعام:162].

ومعنى ذلك أن تكونَ حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله الظَّاهرة والباطنة تدور في فلك واحد وهو رضى الله عز وجل وحده دون سواه، فلا يفوته واجب من الواجبات، ولا يذهل عن الطَّاعات والقربات، مجتنبًا مساخط الله من المعاصي والموبقات.

وليس كما هو سائد اليوم في الخطاب على مستوى وسائل الإعلام المتنوِّعة، المقروءة والمسموعة والمرئيَّة من أنَّ اغتنام الحياة هو استغلال الأوقات في المرح واللَّعب واللَّهو والرَّاحة والمتعة أو في اكتساب حطام الدُّنيا وزيادة الثَّروة ونحو هذه المعاني، حتَّى إنَّه لم يعد يتبادر إلى الذِّهن عند إطلاق عبارة «اغتنام الحياة» سوى هذا المعنى المنكوس والفهم المعكوس.

فيجب الانتباه وعدم مجاراة أهل الباطل والفساد، وأهل اللَّهو والعناد؛ لأنَّ المسلم يعلم أنَّ وظيفته في هذه الحياة ليست مقصورة على السَّعي في تحصيل ما يريح بدنه، وتلبية رغباته وشهواته، بل خُلق لأمر أعظم ومطلب أسمى وأجلِّ وهو السَّعي في تحقيق رضى ربِّه سبحانه، فليس في قول النَّبي ﷺ لرجل وهو يَعِظُه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» [أخرجه الحاكم (4/ 306)، انظر: «صحيح الجامع» (1957)] سوى هذا المعنى وهو أن تغتنم هذه الأمور الخمسة: الشَّباب والصِّحَّة والغنى والفراغ والحياة في طاعة الله عز وجل وتجعلها مطيَّةً لنيل رضى الله جلَّ ذكره، وانتهاز الفرصة قبل حلول ما يضادُّها.

وإنَّ ممَّا يدفع المسلم لاغتنام حياته إدراكه الجازم أنَّ الحياة الدُّنيا ممرٌّ لا مقرٌّ، وأنَّها دار غربة وارتحال لا دار وطن واستقرار، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار[غافر:39]؛  فليس أعقل ممَّن فهم ذلك وظهر أثره عليه.

فالعاقل من قدم الآجل الباقي على العاجل الفاني، وانشغل بدار القرار على دار الاغترار، فأقبل على الطَّاعات والإكثار من القربات، والجدّ في العمل، وتلافي الخير قبل فوات الأجل.

ذلك لأنَّ الاعتقاد الجازم واليقين بالآخرة سدٌّ وحاجزٌ دون الصِّراع المجنون المحموم على حطام الدُّنيا الَّذي تداس فيه أحكام الشَّرع ويُتَعدَّى فيه على الحرمات بلا تحرُّج ولا حياء.

فلا ينبغي أن يذهل المسلم عن أنَّ وراء هذه الحياة حياةً أخرى هي خيرٌ وأبقى، فيها العَطاء, وفيها الغَناء, وفيها العوض الَّذي يُنسي ما فات.

وإنَّ هذا التَّصور لو تمكَّن في النُّفوس لأضفى على حياة المسلمين اليوم جوًّا منَ الرَّاحة والطّمأنينة، تسعد بها أفرادهم ومجتمعاتهم، ولكان قمينًا أن يشيع روح التَّنافس والتَّسابق فيما ينفع لا فيما لا ينفع ولا يفيد؛ وفي طلب النَّعيم الَّذي لا يفنى ولا يبيد، وأن يخفِّف السُّعار الَّذي ينطلق من الشُّعور بأنَّ الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذه الحياة، وأن اغتنامها بإشباع النَّفس من رغباتها وشهواتها، كما يروِّجه المبطلون.

وإنَّ ممَّا يصرف المسلم عن اغتنام الحياة والأوقات في الطَّاعات والصَّالحات طولُ الأمل والتَّسويف، إذ ليس أضرَّ على العبد من «التَّسويف».

فالمطلوب عدم تأخير التَّوبة وتعجيل الإنابة إلى الله؛ لأنَّ هجمة الأجل غير مأمونة، وأوقات المنايا غير معلومة، وعلى العبد أن يكون على أهبة الاستعداد للقاء الله في أيِّ لحظة من لحظاته، وفي أيِّ ساعة من ساعاته، وعليه أن يقدِّر نعمة الإفاقة من النَّوم عند كلِّ صباح ليحيا يومًا جديدًا لعلَّه يكون فيه فرصته ليستعتب أو يتوب أو يزداد فيه خيرًا، لذلك شرع الدُّعاء بالحمد على هذه الحياة فيقول العبد عند الاستيقاظ من نوم الصَّباح: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُشُورُ» [رواه البخاري (6312)].

وكتب سعيدُ بن جُبير رحمه الله: «اعلم أنَّ كلَّ يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة» [«تاريخ يحيى بن معين» للدوري (2/ 34)].

وأخرج ابن أبي الدُّنيا في كتاب «الزُّهد» عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله أنَّه قال: «ما من يوم أخرجه الله لأهل الدُّنيا إلاَّ نادى: ابنَ آدم اغتنمني، لعلَّه لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلاَّ تنادي: ابنَ آدم اغتنمني، لعلَّه لا ليلةَ لك بعدي».

ومن أراد الوقوف على نماذج لأناس أدركوا معنى اغتنام الحياة، فليطالع في كتب السِّير والتَّراجم والتَّاريخ؛ ليجد في تلك الفصول ما تدهش له العقول، من قوم امتلأت أوقاتهم بالطَّاعات والقربات حتَّى قيل في أحدهم: لو قيل له: إنَّك ستموت غدًا ما وسعه أن يزيد من العمل شيئًا؛ لامتلاء يومه بالطَّاعات والقربات.

وهذا شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كما يحكي عنه تلميذه الإمام ابن القيِّم رحمه الله: «وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إنِّي إلى الآن أجدِّد إسلامي كلَّ وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيِّدًا» [«مدارج السَّالكين» (1/ 524)].

فأمثال هذه النُّفوس الأبيَّة تدرك المعنى الحقيقي للحياة، ومعنى اغتنامها، وفيما يجب أن تُصرف فيه الأوقات والأعمار، وهو إعمارها بالطَّاعات والقربات والأعمال الصَّالحات، فلا يمضي يوم إلاَّ وقد ازداد فيه قربًا من الله جلَّ جلاله، فيصلح معايبَه، ويتداركُ فارطه، ويغتنم بقيَّة أنفاسه، ويزداد توغُّلاً في الخير حتَّى يغدو يومه خيرًا من أمسه، وغده خيرًا من يومه، وهكذا دواليك حتَّى يلقى ربَّه جل جلاله.

فمن كان بهذه المثابة كانت حياته وطول بقائه خيرًا له، لذا قيل قديمًا: «إنَّ بقيَّة عمر المؤمن لا قيمة له» أي أنَّه لا يُقدَّر بثمن، وأفضل منه قوله ﷺ لما سئل عن خير الناس فقال: «مَنْ طَالَ عمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» [رواه الترمذي (2329) وهو صحيح].

فليبادر العبد إلى اغتنام فرصة حياته من قبل أن يُقضى عليه بالموت، فينقطع عنه عمله، وتفوت عليه فرصته، ويُحال بينه وبين ما يشتهي.

ولا يُعقَل أن يضيِّع المسلمُ أيَّ باب من أبواب الخير إذا فتح له، فقد لا يتهيَّأ له بعد ذلك، ويُخشى أن يُعاقب على تفريطه بما هو أسوأ.

قال ابن القيم رحمه الله: «والله سُبحانه يُعاقب مَنْ فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يُمكنه بعد من إرادته عقوبةً له، فمن لم يَستَجِبْ للهِ ورسوله إذا دعاه، حالَ بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابةُ بعد ذلك» [«زاد المعاد» (3/ 574)].

فمن لم يغتنم حياته ندم وأسف حيث لا ينفع النَّدم والأسف، وتقطَّعت نفسه من الحسرات، وتمنَّى ما لا يكون، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون[المؤمنون:99-100]، وقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِين * وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون[المنافقون:10-11].

وأمَّا من اغتنم حياته في طاعة الله سبحانه فإنَّه سيحيا حياة طيِّبة في الدُّنيا، وينال أحسن الجزاء في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون[النحل:97].

وقال ابن رجب رحمه الله: «السَّعيد من اغتنم مواسم الشُّهور والأيَّام والسَّاعات وتقرَّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطَّاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النَّفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النَّار وما فيها من اللَّفحات» [«لطائف المعارف» (ص11)].

فليغتم المسلم الأيَّام والمواسم والأوقات ولا ينجرف وراء الشَّهوات والملذَّات الَّتي يعيش معها في أوهام، ويسرح فكره حولها في خيال، ويحسب أنَّه يجد فيها سعادته، وما هي إلاَّ سعادة السَّراب، فإذا انقضت المواسم والأعمار ووقف بين يدي العليِّ القهَّار علم أنَّه تأخَّر حيث كان يظنُّ أنَّه تقدَّم؛ والله الهادي إلى سواء السَّبيل.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 16»