أنت هنا:قضايا تربوية»بين الأمانة والخيانة

بين الأمانة والخيانة

  • عثمان عيسي
تم قراءة المقال 809 مرة

 

إنَّ صفة الأمانة من أعظم الصِّفات الَّتي امتاز بها أهل الحقِّ عن أهل الباطل، ذلك لأنَّ المتَّصف بها يحتاج إلى تجريد التَّوحيد لله ربِّ العالمين، وإفرادِ الاتِّباع لنبيِّنا محمَّدٍ الأمين ﷺ.

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾[الأحزاب:72]، والأمانة المعروضة هي أمانة التَّكاليف، من امتثال الأوامر، واجتناب النَّواهي، مع ما يتبعها من ثواب وعقاب، وهي بالمعنى الواسع كلُّ ما يحمله الإنسان ويتحمَّله من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً، وهذا يعمُّ جميع الأمانات الحسيَّة والمعنويَّة.

فإذا قام العبد بما تحمَّله وأدَّاه لله حسب طاقته ووسعه، ونهض بالأمانة المنوطة بعنقه، وأدَّاها على وجهها، كان محلَّ تكريم ربِّه له، وتفضيله على كثير ممَّن خلق تفضيلاً، إذ حمل ـ مع جهله وظلمه ـ ما أشفقت وخافت من حمله السَّماوات والأرض والجبال.

وأوَّل ما تشمل كلمة الأمانة، أداء حقِّ الله عز وجل في إفراده بالعبادة، وعدم الإشراك به، ثمَّ أداء الفرائض الَّتي فرضها على العباد، وغيرها من التَّكاليف الشَّرعية، أداءً كاملاً وخالصًا له عز وجل غيرَ مشوبٍ برياءٍ ولا سمعة، موافقًا لسنَّة النَّبيِّ المصطفى ﷺ.

ونبيُّنا ﷺ قد عُرف ـ في الجاهليَّة ـ بين ناسه وأهله وعشيرته وقومه بالأمين كما هو معلوم من سيرته العطرة، فكانوا يأتمنونه على الأموال وغيرها، لصدقه ووفائه ﷺ، والنَّاس يميلون إلى الأمين ميلاً طبيعيًّا فطريًّا، لما جبلت عليه النُّفوس من الوثوق بالأمناء، والارتياح لهم، وهذا عامٌّ في البشر كلِّهم.

ولمَّا قدم أَهْلُ اليَمَنِ على رسولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالإِسْلاَمَ، فَأَخَذَ بيَدِ أَبي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» [مسلم (2419)].

فالنَّاس مؤمنُهم وكافرُهم يتشوَّفون إلى الأمين في التَّعامل، وذلك لما للأمين من الأثر الطَّيِّب إذا تعامل مع النَّاس أو دعاهم إلى الهدى ودين الحقِّ، ولما له من الهيبةِ والاحترام والتَّقديرِ عندهم، كيف لاَ؟! وقد استقَرَّ في أذهان العقلاء أنَّ الأمينَ لا يُخوَّن، وأنَّ الخائن لا يؤتمن.

فالَّذي يعلِّمُ النَّاسَ الإسلامَ والسُّنَّةَ، ويدعو إليهما، عليه أن يكون قويًّا بعلمه وثباته على الحقِّ والصَّدع به، أمينًا في دينه وعقيدته ومنهجه، وأن تكون دعوته إلى الله عز وجل على هدى وبصيرة، قد سلمت نفسه من علائق الدُّنيا، وحظوظ النَّفس، ودواعي الهوى.

ذلك لأنَّ العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء والرُّسل ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ هم أمناء الله على دينه وشرعه، فوجب أن يكون الدُّعاة إلى الله عز وجل هم الأمناء من بعدهم على هذا الحظِّ الوافر والميراث العظيم.

ولهذا كان خلقُ الأمانة أحدَ أركان الأخلاق السَّامية في الإسلام الَّتي عليها المرتكز، ومِن أعزِّ ما يحرص المرءُ على الاتِّصاف به، ثمَّ لا يضرُّه ـ بعد ذلك ـ ما فاته من الدُّنيا، قال نبيُّنا ﷺ: «أَرْبَعٌ إذا كُنَّ فِيكَ فَلاَ عَلَيكَ مَا فَاتَكَ مِن الدُّنْيَا: حِفْظ أَمَانَةٍ، وَصِدْق حَدِيثٍ، وَحُسْن خَلِيقَةٍ، وَعِفَّة في طُعْمَةٍ» [أحمد (2/ 177)].

والأمانة من الإيمان، كما قال ﷺ: «لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ» [أحمد (38321)، ولا يمكن أن تكون الأمانة بغير تقوى لله عز وجل، ولهذا من رام صنعَ رجالٍ أمناء دون تعويلٍ على التَّقوى، وتأسيس عليها، فقد رام محالاً من الطَّلب، وفي القرآن الإشارة إلى هذا، ففي باب المعاملات الماليَّة قال الله عز وجل: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾[البقرة:283]، فالتَّقوى هي المانعة من بخس حقوق الآخرين، والعبثِ بممتلكاتهم، وتضييعِ الأمانات والتَّهاون أو التَّفريط في حفظها وأدائها، لأنَّ المؤمن التَّقيَّ أحرصُ النَّاس على أموال غيره، ائتمانًا وحفظًا وأداءً، وكذلك الشَّأنُ في أعراض المسلمين، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدلُّ عليها أيضًا، قال عز وجل على لسان مريم عليها السَّلام: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾[مريم:18].

فالمؤمن التَّقيُّ لا ينتهك أعراض المسلمين والمسلمات، فضلاً عن حرمات الجيران والجارات، قال ﷺ: «لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلاَ يَدْخُلُ رَجُلٌ الجَنَّةَ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [أحمد (13048)].

والمؤمن التَّقيُّ لا يلطِّخ يدَه بدم مسلمٍ، أو كافرِ مؤتمن أو معاهَد، ـ ممَّن عصمَ الإسلامُ دمه إلاَّ بحقِّه ـ قال ﷺ: «وَالـمُؤْمِنُ مَنْ آمَنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»، وقال ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا في غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» [أبو داود (2760)].

هذا حال المؤمن حقًّا، لا يخاف النَّاسُ منه غيلة ولا خداعًا ولا خيانة ولا شرًّا، وقد ذكر النَّبيُّ ﷺ خمسةً من أهل النَّار منهم «...وَالخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ ...» [مسلم (2865)].

والَّذي صارت الأمانة صفةً ملازمة له، تراه يؤدِّيها ولو للَّذي خانه، لا يقابله بالمثل لقبح الخيانة، فهي من صفات المنافقين، وهي خديعة في موطن ائتمان، لا تليق بحال أهل الإيمان، قال ﷺ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» [أبو داود (3535)].

ولم تُعرف أمَّةٌ بالخيانة ونقضِ العهودِ والمواثيقِ كما عرفت بنو إسرائيل، فينبغي التَّنزُّه عن مشابهة اليهود في أخصِّ أوصافهم، خاصَّة ممَّن يرفع الشِّعارت البرَّاقة ويتباكى على فلسطين الحبيبة في مختلف الخرجات الإعلاميَّة، والمناسبات الدَّوريَّة؛ لأنَّ دفاعَ الله عز وجل عن المؤمنين، إنَّما يكون للقائمين بحقِّ الله ثمَّ بحقوق العباد، المحافظين على الأمانات، المؤدِّين لها، والموفين بالعقود والعهود، فهؤلاء هم المنصورون الموفَّقون في دعوتهم، أمَّا الَّذين خانوا الله ورسولَه، بترك ما أوجبه الله عليهم، وفِعْل ما نهاهم عنه، فهؤلاء لا ينصرهم الله ولا يهديهم سبيلاً، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون﴾[الأنفال:27]، وقال: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور﴾[الحج:38]، وقال: ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِين﴾[يوسف:52].

وليُعلم أنَّ خيانة الوجيه ليست كخيانة الوضيع، وخيانةَ المسؤول الكبير ليست كخيانة العامل الصغير، وخيانة العالم ليست كخيانة الجاهل، وظهورُ كلِّ هذا في الأمَّة أمارة فساد وانقلاب للموازين، ينبئ عن قرب السَّاعة ودنوِّها، قال نبيُّنا ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ في أَمْرِ العامَّةِ» [أحمد (2/ 291)، وابن ماجه (4042)].

وقال ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». [البخاري (6496)؛ أي: فُوِّض الحكم المتعلِّق بالدِّين إلى من ليس له بأهل، فسوِّد وشرِّف من لا يستحقُّ السَّيادة والشَّرف.

ومن لطائف تبويبات الإمام البخاري رحمه الله في «صحيحه» أن جعل هذا الحديث في كتاب العلم، إشارةً منه إلى أنَّ إسناد الأمر إلى غير أهله إنَّما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم.

وللأمانة صور كثيرة، كما للخيانة مثل ذلك، وإنَّما هذا تنويه بشأنها، وتذكير بأمرها، ليُعلم أنَّ الاستخلاف الواعد للمؤمنين ما هو إلاَّ ثمرة لإيمانهم الصَّادق بالله عز وجل، وإيثارِهم محابَّ الله ورسوله ﷺ على ما تهوى أنفسهم، وما هو إلاَّ ثمرة لعملهم الصَّالح المبنيِّ على العلم النَّافع الصَّحيح، والموافق لهدي النَّبيِّ ﷺ، وقول السَّلف الرَّجيح، إذ ليس الاستخلاف مقصودًا لذاته، بل هو وسيلة لقيام المؤمنين بأعظم الأمانات وهي: حقُّ الله عز وجل على العبيد في إفراده بالعبادة والتَّوحيد.

والله الهادي إلى الطَّريق الرَّشيد.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 20»