راية الإصلاح - الفتور
أنت هنا:قضايا تربوية»الفتور

الفتور

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 192 مرة

 

من المعوِّقات الَّتي تقعد بالعبد عن بُلوغ مآربه وتَحقيق آماله داء الفُتور، وهو داءٌ خطيرٌ، والعيبُ أن يصيبَ من كانَ على الاستقامة، ومُلازمًا للعلم الشَّرعي، ويشتدُّ العيب إن كان المصابُ معلِّمًا النَّاس الخير ثمَّ تركه واستسلم للفُتور.

والفُتور هو السُّكون بعد الحدَّة واللِّين بعد الشِّدَّة والضَّعف بعد القوَّة، وهو التَّراخي بعد الجدِّ، والكسل بعد النَّشاط، والميل إلى الرَّاحة والانقطاع عن العمل بعد الاستمرار عليه.

والعبد لا يسلمُ من نوبات الفُتور تُصيبه بين الفَينة والأخرى، لكن ينبغي التَّفطُّن لأمرين:

أوَّلهما: أن لا تجرَّه الفَترة بعيدًا فتُردي به في مهاوي الرَّدى ومخالفة الشَّريعة.

والأمر الثَّاني: أن لا يركن إليها فتطول مدَّتُها إذ يُخشى أن يُختم له بسوء ـ والعياذ بالله ـ.

قال ابنُ القيِّم رحمه الله في «مدارج السَّالكين» (3/ 122): «فتخلُّل الفَترات للسَّالكين أمرٌ لازمٌ لابدَّ منه، فمَن كانت فترتُه إلى مُقاربةٍ وتَسديدٍ، ولم تُخرجه من فرضٍ، ولم تُدخله في محرَّم، رُجي له أن يعُودَ خيرًا ممَّا كان؛ قال عُمَر ابن الخطَّاب رضي الله عنه وأرضاه: «إنَّ لهذه القُلوب إقبالاً وإدبارًا، فإذا أقْبَلت فخُذوها بالنَّوافل، وإن أدبَرت فأَلْزِمُوها الفَرائض»».

فإذا فتر العبد عن النَّوافل؛ فلا يَدع الفرائض، وإذا توسَّع في المباحات فلا يجرؤ على المحرَّمات، وإذا خفَتَ نشاطُه في الخير، فليس إلى حدِّ التَّرك والعُزوف وتَغيير الوجهة، حتَّى لا ينطفئ الأمل في عودتِه إلى ما كان عليه من الخير أو أحسن منه، قال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».

والفتور ليس توقُّفًا فحسب، بل هو تأخُّر؛ لأنَّ العبد في هذه الحياة إمَّا متقدِّمٌ وإمَّا متأخِّرٌ، وليس بينهما شيءٌ اسمُه التَّوقُّف، قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَر * نَذِيرًا لِّلْبَشَر * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّر[المدَّثر:35-37] «ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بينَ الجنَّة والنَّار، ولا طريقَ لسالكٍ إلى غير الدَّارين البتَّة، فمَن لم يتقدَّم إلى هذه بالأعمال الصَّالحة، فهو متأخِّرٌ إلى تلك بالأعمال السَّيِّئة»، قاله ابن القيِّم في «مدارج السَّالكين» (1/ 267).

ويُستعان على التَّخلُّص من آفة الفُتور باللَّجأ إلى الله تعالى والاطِّراح ببابه، وكثرة سؤاله، والله الهادي.

 

* منقول من مجلة الإصلاح  «العدد 23»