أنت هنا:قضايا تربوية»العلم والتراحم

العلم والتراحم

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 314 مرة

 

 

إنَّ العلم بالوحي لا يورِّث إلا خيرًا، ولا يجني منه النَّاس إلا نفعًا؛ لأنَّه يقود إلى كلِّ فضيلة، ويحجز عن كلِّ رذيلة، فما من محلٍّ انتشر فيه العلم إلا ونَعِم أهله بالأمن والسَّعادة، وتواطأت نفوسهم على إيصال البرِّ والخير والنَّفع إلى كافَّة النَّاس عمومًا، وللمؤمنين خصوصًا؛ ذلك لأنَّ هذا العلم مقترن بالرَّحمة اقترانًا وثيقًا، فإنَّه كلَّما اتَّسع علم العبد اتَّسعت رحمته، لذا لـمَّا كان الصَّحابة رضي الله عنهم أسعد النَّاس بهذا العلم كانوا أكثرهم تراحمًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ[الفتح:29]؛ ولـمَّا كان الصِّدِّيق رضي الله عنه هو أعلم الأمَّة بعد نبيِّها ﷺ باتِّفاق الأمَّة، قال فيه ﷺ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ»، وقبله نبيُّنا ﷺ الَّذي كان أعلم النَّاس بالله وبما جاءه من الوحي، قال الله تعالى عنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم[التوبة:128]، وقال عن نفسه ﷺ: «إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاة»؛ ولمَّا كان الله ـ جلَّ ذكره ـ قد أحاط بكلِّ شيء علمًا، وسعت رحمته كلَّ شيء؛ وكان أرحم بعباده من الوالدة بولدها؛ ولـمَّا كان أهل السُّنَّة والجماعة هم أعلم النَّاس بالحقِّ كانوا أرحم بالخلق.

وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث والإسناد أن يكون قوله ﷺ: «الرَّاحمون يَرحمهُم الرَّحمنُ ارحَمُوا أهْلَ الأرضِ يرحمكُم أهلُ السَّماءِ»، هو أوَّل حديث يسمعُه الطَّالب من شيخه، ليرسخ في قلبه أنَّ العلم يورِّثُ الرَّحمة بالخلق وأنَّهما أمران متلازمان لا يفترقان؛ فإذا طلب العلم ولم يجد هذه الرَّحمة في قلبه؛ فأحد أمرين: إمَّا أنَّه طلب علمًا غير نافع، وإمَّا أنَّه سيِّءُ الطَّويَّة، لم ينتفع بالعلم، وفي الحديث: «لا تُنزع الرَّحمةُ إلاَّ مِن شقيٍّ» وهو حديث حسن.

إنَّ هذه الغلظة والقسوة والشِّدَّة الَّتي طغى ريحها في مجتمعات المسلمين اليوم، ولم يسلم منها حتَّى بعض من ينتسب إلى العلم ويعدُّ نفسه من طلابه، سببُها قلَّة العلم الصَّحيح وانحسار دائرته، ونُدرة العلماء، قال الإمام مالك رحمه الله: «ما قلَّت الآثار في قوم إلا ظهرت فيهم الأهواء؛ ولا قلَّت العلماء إلا ظهر في النَّاس الجفاءُ» [«ذمُّ الكلام وأهله» (869)]؛ فلا أحسَن من لزوم العلم وأهلِه والتزام أخلاقه وآدابه، ونشره بين النَّاس، ليُبدلنا الله بهذه الغلظة رقَّةً، وبهذه القَسوة رحمة، وبهذه الشِّدَّة رأفة ولينًا.   

نسأل الله علما نافعا يجرُّ إلى قلوبنا رحمة نرحم بها جميع الخلق، فتكون موجبةً وموصلةً لنا إلى رحمته سبحانه وكرامته، إنَّه جواد كريم.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 27»