أنت هنا:توحيد»التوحيد مفزع الخلق في الشدائد

التوحيد مفزع الخلق في الشدائد

  • عبدالمجيد تالي
تم قراءة المقال 957 مرة

 

إنَّ من القضايا المهمَّةِ في الإسلام والَّتي هي أُسُّه وأساسُه الإخلاصَ لله عزَّ وجلَّ وتوحيدَه في القول والعمل، فما قامتِ السَّماواتُ والأرضُ وما أُنْزِلَتِ الكتبُ وأرسلَتِ الرُّسلُ وشُرِعَتِ الشَّرائعُ، وما خُلِقَتِ الخَلِيقَةُ إلاَّ لأجل ذلك.

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون[الذاريات:56]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون[الأنبياء:25].

 فالتَّوحيد «هو دينُ الإسلام العامُّ، الَّذي بعثَ الله به جميعَ الرُّسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[النحل:36]»(1).

وهو دعوةُ الرُّسلِ قاطبةً وموروثُ الأمَّةِ عن القرونِ المفضَّلةِ، بل هو فطرةُ اللهِ الَّتي فطرَ النَّاسَ عليها كما ثبتَ عنه ﷺ : «ما مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ على الفِطْرَةِ فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسانِه»ِ(2)، وقال ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ «أَلا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا»، وفيه: «وإِنِّي خَلَقتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ»(3)، فهو الأصلُ في بني الإنسان وهم مَجْبُولُونَ على النُّزُوعِ إليه في الشَّدائدِ والصِّعابِ، وضيقِ السُّبلِ وانسدادِ الطُّرقِ، على اختلاف نِحَلِهِم وتَعَدُّدِ مذاهبِهم كما شهدَ بذلك القرآنُ الكريم والسُّنَّةُ المطهَّرة.

قال ابن القيِّم رحمه الله: «التَّوحيدُ مَفزَعُ أعدائِه وأوليائِه، فأمَّا أعداؤُه فيُنَجِّيهم من كُرَبِ الدُّنيا وشدائدِها، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون[العنكبوت:65]، وأمَّا أولياؤه فينجِّيهم به من كرُباتِ الدُّنيا والآخرةِ وشدائدِها، ولذلك فَزِعَ إليه يونسُ فنجَّاه اللهُ من تلك الظُّلماتِ(4)، وفزعَ إليه أتباعُ الرُّسل، فَنُجُّوا به ممَّا عُذِّبَ به المشركون في الدُّنيا، وما أعدَّ لهم في الآخرة.

ولـمَّا فَزِعَ إليه فرعونُ عند معاينةِ الهلاك، وإدراكِ الغرق، لم ينفعْه(5)؛ لأنَّ الإيمانَ عند المعاينة لا يقبلُ، هذه سنَّةُ اللهِ في عباده، فما دُفِعَتْ شدائدُ الدُّنيا بمثل التَّوحيدِ، ولذلك كان دعاءُ الكربِ بالتَّوحيد(6)، ودعوةُ ذِي النُّونِ(7)الَّتي ما دَعَا بها مكروبٌ إلاَّ فَرَّجَ اللهُ كربَه بالتَّوحيد، فلا يُلْقِي في الكُرَبِ العظامِ إلاَّ الشِّركُ، ولا يُنْجِي منها إلاَّ التَّوحيدُ، فهو مَفْزَعُ الخليقةِ ومَلْجَؤُها، وحِصْنُها وغِيَاثُها، وبالله التَّوفيق»(8) اهـ.

ولنا مع هذا النَّقلِ عن هذا الإمامِ الرَّبَّانيِّ رحمه الله وقفات:

6 الوقفةُ الأُولَى ـ التَّوحيدُ مفزعُ الأعداءِ:

وهو لهم مَنْجَاةٌ من كربِ الدُّنيا وشدائدها، فإذا جاءتهم الشِّدَّةُ والكربُ والغمُّ والضَّنكُ، لَجَؤُوا إليه يدعونَه وحدَه، ويتوسَّلون إليه بالتَّوحيد، فيَكشفُ عنهم ذلك الغمَّ والكرب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُون[الأنعام:41].

يوضِّحُ هذا المقصدَ ويُبَيِّنُه ما قصَّه ربُّنا جلَّ وعلا لنا عنهم، في غير ما موضعٍ من كتابه الكريم.

ففي سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون[يونس:22-23].

قال القرطبي رحمه الله في «جامعه» (4/ 630): «وفي هذا دليلٌ على أنَّ الخلق جُبلُوا على الرُّجوعِ إلى الله في الشَّدائد، وأنَّ المضطرَّ يُجَابُ دعاؤُه، وإن كان كافرًا، لانقطاعِ الأسبابِ ورجوعِه إلى الواحدِ ربِّ الأربابِ» اهـ.

يجلِّي تلك الحالَ الَّتي هم عليها، ويجسِّدُها تَجْسِيدًا حيًّا واضحًا، ما روى مصعبُ بنُ سعدٍ عن أبيه قال: لـمَّا كان يومُ فتحِ مكَّةَ، أَمَّنَ رَسُولُ الله ﷺ النَّاسَ إلاَّ أَربَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وقال: «اقْتُلُوهُم وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُم مُتَعَلِّقِينَ بأَسْتَارِ الكَعْبةِ»، عِكرمةَ بنَ أبي جهل وعبدَ الله ابنَ خَطَلٍ ومِقْيَسَ بن صُبَابَة وعبدَ الله بنَ سَعْدِ ابنِ أبي السَّرْحِ... وفيه: وأما عِكرمةُ فَرَكِبَ البَحرَ فأَصَابَتْهم عَاصِفٌ(9)، فقال أصحابُ السَّفينةِ: أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكم لاَ تُغْنِي عَنْكُم شيئًا هَهُنَا، فقال عكرمة: وَاللهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنْ البَحْرِ إِلاَّ الإخلاصُ لاَ يُنَجِّينِي في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيه، أَنْ آتِيَ محمَّدا ﷺ حتَّى أَضَعَ يَدِي في يَدِه فَلأَجِدَنَّه عَفُوًّا كريمًا فجاءَ فَأَسْلَمَ» الحديث(10).

***

- فائدة:

قال أبو المظفر السَّمعاني رحمه الله: «وإنَّما خَصَّ البحر بالذِّكر، لأنَّ اليَأْسَ عند وُقُوعِ الشِّدَّةِ فيه أَغْلَبُ»(11).

***

- الوقفةُ الثَّانيةُ ـ التَّوحِيدُ مَفْزَعُ الأولياءِ والأَصْفِيَاء:

وهو لهم مَنْجَاةٌ مِنْ كُرَبِ الدُّنيا والآخرة وشَدَائِدِهَا.

أَمَّا كُرَبُ الدُّنيا وشدَائدها: فلَجَأَ إليه الأَبُ الكريمُ آدمُ عليه السلام لـمَّا كَادَهُ إبليسُ اللَّعِينُ فأَوْقَعَه فيما أوقعه فيه، «فاعْتَرَفَ وتابَ، ونَدِمَ وتَضَرَّعَ واسْتَكَانَ، وفَزَعَ إلى مَفْزَعِ الخَلِيقَةِ وهو التَّوحيدُ والاستغفارُ، فأُزِيلَ عنه العَتْبُ وغُفِرَ لَهُ  الذَّنْبُ، وقُبِلَ منه المَتَابُ وفُتِحَ له مِنَ الرَّحْمَةِ والهِدَايَة كُلُّ بَابٍ»(12) قال تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين[الأعراف:23].

ولجأ إليه نَبيُّ الله يُونُسُ عليه السلام فَنَجَّاهُ من الشِّدَّة الَّتي وقع فيها، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين[الأنبياء:88].

وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين بِشَارَةٌ لكلِّ مؤمنٍ يَقْتَدِي بيونسَ عليه السلام في إخلاصِه وصِدْقِ توبتِه، ودعائِه لربِّه.

أي: ومثل هذا الإِنْجَاءِ الَّذي فَعَلنَاهُ مع عبدنا يونسَ عليه السلام، نُنْجِي عِبادَنا المؤمنينَ من كلِّ غمٍّ، مَتَى صَدَقُوا في إيمانهم، وأَخْلَصُوا في دعائِهم.

وفَزَعَ إليه نَبِيُّنا ﷺ في نَوَازِلَ عديدةٍ، وشَدَائِدَ كثِيرةٍ أَلَمَّتْ به وبأصحابه رضي الله عنهم في حياتِه الدَّعويةِ، ومنها غزواته كبدر وحنين والأحزاب فعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا غَزَا قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، وَبكَ أُقَاتِلُ»(13)، وفي لفظٍ: «بكَ أَحُولُ وَبكَ أَصُولُ وَبكَ أُقَاتِلُ».

أَمَّا كُرَبُ  الآخِرَةِ: فقد قال ربنا جلَّ وعلا لنبيِّه ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم[محمد:19].

قال أبو العالية وابن عيينة ـ رحمهما الله تعالى ـ معناه: «إذا جاءتْهم السَّاعةُ فاعلمْ أنَّه لا ملجأَ ولا مفزعَ عند قيامِها إلاَّ إلى الله»(14)، على أحد التَّفسيرات في الآية، والله تعالى أعلم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا[مريم:71] قال: قال رسول الله ﷺ  «يردُ(15) النَّاسُ النَّارَ كُلُّهُمْ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بأَعْمَالِهِمْ»(16).

وِممَّا لا شكَّ فيه أَنَّ مِنْ أجلِّ أعمالِهم الَّتي يَصْدُرُونَ بهَا عَنْهَا التَّوْحِيدَ، إذ هو أصلُ الأعمالِ والمصحِّحُ لها.

عن يحيى بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ الله قال: «رأى عمرُ طلحةَ بنَ عبيدِ الله ثَقِيلاً، فقال: ما لك يا أبا فلان؟ لَعَلَّكَ سَاءَتْكَ إِمْرَةُ ابْنِ عَمِّكَ يا أبا فلانٍ؟ قال: لا، ـ وأثنى على أبي بكر ـ إِلاَّ أَنِّي سمعتُ من رسول الله ﷺ حديثًا مَا مَنَعَنِي أَنْ أَسْأَلَهُ عنه إِلاَّ القُدْرَةُ عليه حَتَّى مَاتَ، سَمِعْتُه يقول: إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ عند مَوْتِهِ إِلاَّ أَشْرَقَ لَهَا لَوْنُهُ، وَنَفَّسَ اللهُ عنه كُرْبَتَهُ، قال: فقال عمرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ ما هِي! قال: وما هي؟ قال: تَعْلَمُ كَلِمَةً أَعْظَم مِنْ كَلِمَةٍ أَمَرَ بها عَمَّه عند الموتِ: لا إله إلاَّ الله؟ قال طلحة: صدقتَ، هِيَ واللهِ هِي»(17).

***

6 الوقفةُ الثَّالثةُ ـ كَوْنُهُ مَفْزَعَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ:

وهذه فَرْعٌ عن سابقتها، وهي سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ في الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، قال جلَّ وعلا: ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[الأنعام:90].

والمقصود بأتباع الرُّسل هنا: كُلُّ مُتَّبعٍ لِسَبيلِهِم فِي المُعْتَقَدِ والشِّرْعَةِ والسُّلُوكِ والعَمَلِ.

قال ابن القيِّم رحمه الله: «أخبرَ سبحانه عَمَّا اسْتَنْصَرَتْ به الأنبياءُ وأُمَمُهم على قومهم مِنْ اعترافهِم وتوبتهم واستغفارِهم وسُؤَالِهم رَبَّهم أَنْ يُثَبِّتَ أقدامَهم وأَنْ يَنْصُرَهُم على أعدائِهم فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين* فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِين[آل عمران:147-148] لَمَّا عَلِمَ القومُ أَنَّ العدوَّ إِنَّمَا يُدَالُ عليهم بِذُنُوبِهم، وأَنَّ الشَّيطانَ إِنَّمَا يَسْتَزِلُّهُم ويَهْزِمُهُم بها، وأَنَّهَا نوعانِ: تَقْصِيٌر في حَقٍّ أَوْ تَجَاوُزٌ لِحَدٍّ، وأَنَّ النُّصْرَةَ مَنُوطَةٌ بالطَّاعَةِ، قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وإِسْرَافَنَا في أمرِنا، ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ ربَّهم تبارك وتعالى إِنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقدامَهم ويَنْصُرْهُم لم يَقْدِرُوا هُمْ على تَثْبِيتِ أقدامِ أَنْفُسِهِم ونَصْرِها على أعدائِهم، فسَأَلُوهُ ما يعلمون أنَّه بيَدِهِ دُونَهُم، وأَنَّه إِنْ لم يُثَبِّتْ أقدامَهم ويَنْصُرْهُم لم يَثْبُتُوا ولم يَنْتَصِرُوا، فَوَفَّوْا المَقَامين حَقَّهُمَا: مَقَامَ المُقتَضِي، وهو التَّوحيدُ والالتِجَاءُ إليه سبحانه، ومقامَ إِزَالَةِ المَانِعِ مِن النُّصرَةِ، وهو الذُّنوبُ والإسرافُ» اهـ(18).

فالآياتُ وإِن كانت في الجهادِ في سبيل الله تعالى فهي مِنْ حَيْثُ التَوَجُّهُ واللُّجُوءُ إِلىَ اللهِ تعالى أَعَمُّ، وهَذَا العُمُومُ هو المَوْرُوثُ عَن أَتبَاعِ الرُّسُلِ عليهم وعلى نَبِيِّنَا أَزْكَى صَلاةٍ وتَسْلِيمٍ. 

يُوَضِّحُهُ قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون[النحل:53].

***

- الوقفةُ الرَّابعةُ ـ الفزَعُ إلى التَّوحيدِ عند المعاينةِ لاَ ينفعُ:

لأَنَّ من سُنَّةِ اللهِ في عبادِه أَنَّ الإيمانَ عند المُعَايَنَةِ لاَ يُقْبَلُ.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين* فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُون[غافر:87-85].

قال الطَّبري رحمه الله: «يقولُ تعالَى ذِكْرُهُ: فلم يكُ يَنْفَعُهُم تصديقُهم في الدُّنيا بتوحيدِ اللهِ عند معاينةِ عقابه قد نَزَلَ، وعذابه قد حَلَّ؛ لأَنَّهُم صَدَّقُوا حينَ لاَ ينفعُ التَّصديقُ مُصَدِّقًا، إِذْ كان قد مَضَى حكمُ اللهِ في السَّابقِ مِنْ علمِه، أَنَّ مَنْ تابَ بعد نزولِ العذابِ مِنَ اللهِ على تكذيبِهِ لم تَنْفَعْه توبتُه»(19).

وذلك لأَنَّ إيمانَهم في تِلْكَ الحَالِ «إيمانُ ضرورةٍ، قد اِضْطُرُّوا إليه، وإيمانُ مشاهدةٍ، وإِنَّما الإيمانُ النَّافِعُ الذِّي يُنْجِي صاحبَه، هو الإيمانُ الاختيارِيُّ، الَّذي يكونُ إيمانًا بالغيبِ، وذلك قبلَ وجودِ قرائنِ العذابِ»(20).

والحقيقةُ أَنَّ الإيمانَ عند المعاينةِ، مِنَ السُّنَنِ المأثورةِ عن أمثالِ هؤلاءِ الظَّلَمَةِ كما  حَكَى ذلك عنهم رَبُّنَا جلَّ وعلا في كتابهِ الكريمِ، أمَّا أهلُ الإيمانِ والتَّقوى فهم على ما وَصَفَ ربُّنا تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون[آل عمران:135].

***

- الوقفةُ الخامسةُ: الفزعُ إلى التَّوحيد دَافِعٌ لشدائدِ الدُّنيا وكُرَبِها:

فما دُفِعَتْ شدائدُها وكربُها بمثل التَّوحيدِ، لِذَا كان دعاءُ الكربِ بالتَّوحيدِ، ودعوةُ ذِي النُّونِ الَّتِي ما دَعَا بها مكروبٌ إلاَّ فَرَّجَ اللهُ عنه بالتَّوحيد.

فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقولُ عند الكَرْبِ ـ وهو ما يدهم المرء ممَّا يأخذ بنفسه فيغمُّه ويحزنه ـ: «لا إلهَ إلاَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ»(21).

وعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَإِنَّه لَم يَدْعُ بهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اِسْتَجَابَ اللهُ لَهُ»(22).

فـ«ما مِنْ مؤمنٍ يُصِيبُه الكربُ والغَمُّ فيَبْتَهِلَ إلى اللهِ داعيًا بإخلاصٍ، إلاَّ نَجَّاهُ اللهُ من ذلك الغمِّ، ولا سيما إذا دَعَا بدعاءِ يونسَ هذا»(23).

***

- الوقفة السَّادسة: الشِرْكُ سَبَبُ هَلاَكِ العَالَم، و المُوقِعُ فِي الكُرَبِِِِ العِظَامِ:

أمَّا كونُه سببَ هلاكِ العَالَمِ:

فقد قال ابن القيِّم رحمه الله: «ومَنْ تَدَبَّرَ أحوالَ العَالَمِ وجدَ كلَّ صلاحٍ في الأرضِ فسببُه توحيدُ الله، وعبادتُه، وطاعةُ رسوله، وكلَّ شرٍ في العالمِ، وفتنةٍ، وبلاءٍ، وقحطٍ، وتسليطِ عدوٍ، وغيرِ ذلك، فسببُه مخالفةُ رسولِه، والدَّعوةُ إلى غيرِ اللهِ ورسولِه، ومَنْ تَدَبَّرَ هذا حقَّ التَدَبُّرِ، وتَأَمَّلَ أحوالَ العالمِ منذُ قامَ إلى الآنِ وإلى أَنْ يرثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها وهو خيرُ الوارثينَ وجدَ هذا الأمرَ كذلك في خاصَّةِ نفسِه، وفي حقِّ غيرِه عمومًا وخصوصًا، ولا قوةَ إِلاَّ بالله العلي العظيمِ»اهـ(24).

وأمَّا كونُه الموقعَ في الكُرَبِ العِظَامِ: فيتَبَيَّنُ بضدِّه ، فالضِّدُّ يتبيَّنُ بالضِّدِّ.

فإذا كان التَّوحيد هو أساسُ سعادةِ العبادِ في الأُولىَ والعُقْبَى، وسببُ نجاتِهم فيهما، كان الشِّركُ بالله جلَّ وعلا على النَّقيضِ من ذلك، فهو سببُ كلِّ بليَّةٍ ورَزِيَّةِ وقعتْ بالإنسانيةِ على الإطلاقِ، وكتابُ ربِّنَا جلَّ وعلا وسنَّةُ نبيِّنَا ﷺ أكبرُ دليلٍ على ذلك، وشاهدُ الحالِ وواقعُ الخلقِ صورةٌ بيانيةٌ لذلك.

فالواجب على كلِّ إنسانٍ أَنْ يُمَيِّزَ بين حقوقِ اللهِ تعالى الَّتي هي من خصائصِ ربوبُيَّتِه، الَّتي لا يجوزُ صرفُها لغيره، وبين حقوقِ خلقِه، لِيَضَعَ كلَّ شيءٍ في موضعِهِ، على ضوءِ ما جاءَ به النبِيُّ ﷺ في هذا القرآنِ العظيمِ والسَّنَّةِ الصَّحيحةِ(25).

وصلِّ اللَّهُمَّ وسلِّم وبارك على نبِيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

 



(1) مجموع الفتاوى (1/ 71).

(2) رواه البخاري (1358)، ومسلم (2658) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) رواه مسلم (2865) من حديث عياضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه.

(4) كما في سورة الأنبياء (الآية: 87 ـ88).

(5) كما في سورة يونس  (الآية: 90 ـ 92).

(6) كما رواه البخاري (6346)، ومسلم (2730 ).

(7) كما رواه التِّرمذي (3505)، وأحمد (1462)، والطَّبراني في «الدُّعاء» (124)، والحاكم (1/ 505) و(2/ 583) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. 

(8) فوائد الفوائد (44 ـ 45).

(9) أي: ريحٌ عاصفٌ، وهي شديدةُ الهبوبِ، أفاده في القاموس مادة: (ع ص ف).

(10) أخرجه النسائي (4067)، وأبو داود (2683)، وهو صحيح، انظر «الصحيحة» (1723).

(11) «تفسير السَّمعاني» (3/ 261).

(12) «إغاثة اللهفان» (2/ 203).

(13)  رواه النسائي في الكبرى (8576)، وأبو داود(2632)، والترمذي (3584)، صحيح انظر «صحيح الجامع» (4757).

(14) انظر «تفسير» البغوي (7/ 285).

(15) انظر للإفادة في معنى (الورود) «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (3/ 799 ـ 700).

(16) أخرجه الإمام أحمد (4141)، صحيح انظر  «صحيح الجامع» (8081).

(17) أخرجه الإمام أحمد (1384)، وابن حبان (2) بنحوه، والحاكم (1/ 350، 351) والزيادة له، وقال «صحيح على شرطهما» ووافقه الذهبي والشيخ الألباني في أحكام الجنائز (48 ـ 49).

(18) «زاد المعاد في هدي خير العباد» (3/ 225 ـ 226).

(19) «جامع البيان في تأويل القرآن» (21/ 424).

(20) «تفسير السعدي» (2/ 1196).

(21) رواه البخاري (6346 )، ومسلم (2730 ).

(22) رواه الترمذي (3505)، وأحمد (1462).

(23) «أضواء البيان» (3/ 163).

(24) «بدائع الفوائد» (3/ 525 ـ 526).

(25) «أضواء البيان» (5/ 162).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 21»