أنت هنا:توحيد»الكهانة والعرافة بين الماضي والحاضر

الكهانة والعرافة بين الماضي والحاضر

  • عثمان عيسي
تم قراءة المقال 7858 مرة

 

إنَّ العقيدةَ الإسلامية لا تكون صحيحةً سليمة إلَّا بالتَّوحيد الخالص، والابتعاد عن الشِّرك، ولا نجاة للعبد إلَّا بذلك، ولم يزل أعداءُ الله ورسلِه يعملون على إفسادِ هذه العقيدة المباركة، وإضلالِ النَّاس عنها، بشتَّى الطُّرق والوسائل، ومختلفِ الصُرط والحبائل، فبعثوا في الأمَّة رسلَ الشَّياطين من مَرْقَدِهم، وجهَّزوهم بجهازهم؛ ليجهزوا على الإسلام وأهله، بضروبٍ من الشِّرك والكفر، بعد أن اندرس سحرُهم وإفكُهم القديم، فأحيوا أتباعَ الكهنة وأشياعَ السَّحرة، بأدوات تناسب العصر، وتخسف البصيرة والبصر، فزخرفوا للنَّاس الباطل حتَّى التبس عليهم، وأنفقوا فيه الملايير حتَّى راج فيهم، وصار جزءًا من حياتهم، فقديمًا كان السِّحر بِعَصَى من حَطَبٍ، والكهانةُ بأَزْلَامٍ من خَشَبٍ، والآن صارَا في قنوات فضائية تبثُّ العجب! من سِحْر وتَنْجِيم، وكهانة وعرافة، وشعوذة ودَجَلٍ في سلسلةٍ مضادَّةٍ لأصل الإيمان والتَّوحيد.

إنَّ من الشِّرك الصُّراح: ادِّعاء معرفة الغيب، من قوم لا خلاق لهم، أخفَّاءِ الهام، سفهاءِ الأحلام، قد لجُّوا في غوايتهم، وغلوا في جهلهم وجهالتهم، وهاموا في أودية الضَّلال وتمادوا، راموا إدخالَ النَّاس في ظلمات الشِّرك بعد أن أنقذهم اللهُ منه ببعثة النَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، ونزولِ الوحي في كتاب يُتلى وسنَّة تُتَّبع.

وهؤلاء السَّحرة والكهنة من شرِّ الخلق وأسوإ الخليقة، قد غُمسوا في الشرِّ وصُبِغوا به، أرهقوا الأمَّة الإسلاميَّةَ أضرارًا جسيمة، وآذوا المؤمنين أذيَّة جمَّة، فأفسدوا عليهم الدِّينَ الَّذي ارتضى اللهُ جلَّ وعلا لهم، وأكلوا أموالَ النَّاس بالباطل وصدُّوهم عن سواء السَّبيل.

استضعفوا عقولَ النَّاسِ، واستَحْمَقُوهم بآراء ساقطة، واستغوَوْهُم بأفكارٍ سخيفةٍ، واستمَالُوهم بأعمالٍ سقيمةٍ، فلبَّسوا على العباد صورَ السَّداد، وشبَّهوا عليهم سبلَ الرَّشاد، ومَوَّهُوا عليهم الباطلَ حتَّى رآه كثيرٌ من النَّاس حسنًا، لينالوا بذلك عرضًا من الدُّنيا دنيئًا خسيسًا.

وليست الكهانةُ وأخواتُها وليدةَ زماننا، فقد كانت موجودة؛ بل منتشرة في كثير من الأمم السَّابقة، لولوع كثير من النَّاس بها ولوعَهم بالسِّحر والشَّعوذة وخاصَّة النِّساء منهم، ولم تشذَّ البيئة العربية عن ذلك، فكان الكاهن في الجاهلية يُشرفُ على إدارة المعابد الوثنية، ويقوم بسدانة(1) بيوت الأصنام، ويتولَّى شأنَها والقيامَ عليها بالخدمة، يُحيي فيها الأعيادَ الشِّركية، والطقوسَ الكفريَّة، غيرَ مَعنيٍّ بصلاحٍ أو إصلاح، أو تعلِّمٍ وتعليم، أو دعوةٍ للخير والحقِّ أو تواصٍّ به، فلا شيءَ يعنيه مِن دنيا النَّاس إلَّا الرِّبحُ الثَّمين، يستطلعُ الغيب، ليملأ الجَيب، مستعينًا بالسِّهام والاستقسام بالأزلام، فترى الكاهنَ يزجرُ الطَّيرَ ويُثيرها، ويبني التَّنبُّؤات على حسب وجهتها، فيكون منها: (السَّانِحُ والبَارِح والجابه والقَعيدُ)(2)، وتراه يخطُّ على الرَّمل ويطرق الحصى والنَّوى والحبَّ من الحنطة ونحوها، كضربٍ من التَّنبُّؤ لاستكشاف الغيب، وينظر في النُّجوم ويستسقي بالأنواء، ويعمل السِّحر ـ وهو رأس ما سبق ـ، معتمدًا في ذلك كلِّه على الشَّياطين في معظم المهام، مستغفلًا بتلبيساته الأنام.

فإذا كان هذا حالُ الكاهن في الماضي، وحالُ مَن يأتيه، فإنَّ الكاهنَ والعرَّافَ في حاضرنا الأليم وواقعنا المرير، لم يتبدَّل قدرَ أنملة ولم يتغيَّرْ عمَّا كان عليه الأوَّلون، فقد أُلبستِ الكهانةُ رداءَ العَصْرَنَة، وإزارَ التّقنية الحديثة، فتنوَّعتِ الأساليبُ في الدَّجَل والتَّغرير وتطوَّرت، واتَّسعت رقعةُ الواقعين في شباك هؤلاء الدَّجاجلة الأفَّاكين وانتشرت، فتعلَّق القاصدون للكاهن والمتَّصلون به ـ مباشرة أو عبر الهاتف ـ بالأماني الفارغة والأوهام، فعاشوا ـ وهم أيْقَاظ ـ الرُّؤى والأحلام، وأمِلوا وعودًا كاذبة خاطئة فيها رجمٌ بالغيب، لا يعلمها إلَّا علَّام الغيوب.

وهذا ليس بشيء غريب فقد أخبر الصَّادقُ المصدوق نبيُّنا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّ الإيمان بالنُّجوم والتَّصديق بها، كائنٌ في أمَّة الإجابة وواقعٌ، وأنَّه من أخوف ما يخاف عليها، وأنَّه من جملة ما يبقى فيها ولا يفنى (يُتْرَك)، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي خَصْلَتَيْنِ: تَكْذِيبًا بِالقَدَرِ، وَإِيمَانًا بِالنُّجُومِ»(3)، وعن أبي مالك الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»(4).

وليس هذا من قبيلِ التَّقرير؛ وإنَّما هو من بابِ الإخبارِ للتَّقبيحِ والتَّنفيرِ وإعلانِ النَّفير؛ لأنَّ داءَ الأبدان والأديان إذا استَفْحَلَ تعيَّنَ تصدِّي فُحولِ الأطبَّاءِ والعُلماءِ له على عَجَل، يُحاربونه بِلَا وَجَل، دَفْعًا للقَدَرِ، بقدَرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ.

ولعلمي أنَّ الإشارةَ لا تُغني عن العبارة، وخاصَّةً في موضوع يمسُّ عقيدةَ المسلمين، ويقدح في توحيد ربِّ العالمين، أحببتُ أن أجلِّيَ هذا الأمر، ليكونَ المسلمُ على بيِّنة من دينه وبصيرة، ولو ألقى بعد ذلك معاذيره.

لقد تأمَّلتُ هذا البابَ فوجدتُ مدخل الشَّيطان فيه على ابن آدم من جهات ثلاث إجمالًا:

1 ـ جهلُ المرءِ بالتَّوحيد الَّذي هو حقُّ الله على العبيد، وجهله بالشِّرك وذرائعه، والكفر ووسائله.

2 ـ عدم فُرقانه بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشَّيطان.

3 ـ اتِّباع ما تهوى نفسه وتشتهيه رعايةً لمصلحته الدُّنيويَّة.

أمَّا جهل المرء بالتَّوحيد؛ فلأنَّ من المقرَّرات الدِّينية، والمسلَّمات العقدية، اختصاصُ اللهِ ـ جلَّ وعلا ـ بعلمِ الغيب؛ لأنَّه «من صفاتِ الرُّبوبيَّةِ التي استأثرَ اللهُ تعالى بها دونَ مَن سواه فلا سَمِيَّ له ولا مضاهيَ ولا مشارك»(5) وبهذا نَطَقَ الكتابُ والسُّنَّةُ، وعلى هذا أجمعتِ الأمَّةُ قاطبةً إلَّا مَن شذَّ عنها ـ من الرَّافضة والصُّوفية ـ، قال اللهُ ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ﴾ [يونس: 20]، وقال تعالى:﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]، وقال ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]... وغير ذلك من نصوص الكتاب الدَّالة دلالة واضحة على أنَّ الغيبَ المطلقَ لا يعلمُه إلَّا الله تعالى، وأنَّه ـ جلَّ وعلا ـ قد يُعلِمُ ملائكتَه ورسلَه من البشر بشيء من الغيب، وأنَّهم لا يعلمون منه إلَّا ما عُلِّموه بوحي من ربِّهم، فادِّعاءُ الكاهنِ علمَ الغيب ـ بأيِّ وسيلةٍ كانت وأيِّ طريق ـ يتضمَّن تكذيبًا منه صريحًا بالقرآن العظيم، والتَّكذيب بالكتاب كُفْرٌ، وكلُّ ذلك ضلال وإفك وكذب، لا يغني من الحقِّ شيئًا.

وأخصُّ بالذِّكر هنا التَّنجيم، لاستفحال ظاهرته من قريب، وفشوِّه من جديد، في قنوات السِّحر الفضائية، الَّتي فيها صرفٌ للعبيد عن التَّوحيد السَّديد، وزجٌّ بالخَلْقِ في ظلمات الشِّرك والتَّنديد.

والتَّنجيم عند أهل العلم بالتَّوحيد قسمان:

1 ـ علم التَّأثير: قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: «وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتَّمزيج بين القوى الفلكيَّة والقوابل الأرضية»(6)، فهو استدلال بالأحوال الفلكية ـ بزعمهم ـ على الحوادث الكونية «فيجعلونها دالَّة على علم الغيب، ومُنْبِئَة على المغيّبات»(7) سواء تعلَّق الأمر بالمستقبل ـ كما في الكهانة ـ، أو تعلَّق بما مضى كما في العرافة، ومنها الدّلالة على الشَّيء المسروق، والضالَّةِ من الحيوان ونحو ذلك، وهذا كلُّه من فروع الجبت، وشعب السِّحر، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال:«مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ»(8).

وقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في الحديث «زَادَ مَا زَادَ» يعني: «كلَّما زاد من علم النُّجوم زاد له من الإثم مثل إثم السَّاحر، أو زاد اقتباس شعب السِّحر ما زاده اقتباس علم النجوم»(9).

ويَحرُمُ تعلُّم «علم التَّأثير» وتعليمه والتَّواصل مع أصحابه، ومالُ دافعه وآخذه من السُّحت المحرَّم بإجماع المسلمين، قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة: «وصِناعةُ التَّنجيمِ وأخذُ الأُجرةِ عليها وبذْلها حرامٌ بإجماعِ المسلمين، ويَجبُ على ولاةِ أُمورِ المسلمين المنع من ذلك، والقيامُ في ذلك من أفضلِ الجهاد في سبيل الله تعالى»(10) اهـ.

فإذا اعتقد المنجِّمُ أو مَن طَلَبَ منه التَّنجيم، أنَّ هذه النُّجومَ مؤثِّرةٌ فاعلةٌ، بمعنى كونها خالقة للحوادث، فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة؛ لأنَّ في هذا ادِّعاء خالق مع اللهِ جلَّ وعلَا، وفيه تأليهٌ للنُّجوم، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وكذا إذا جعل هذه النُّجومَ ومَطالعَها سببًا لمعرفة الغيب، فاستدلَّ المنجِّمُ بحركاتها وتنقُّلاتها وتغيُّراتها على أمور مستقبلية(11) فهذا كفر أكبر ـ أيضًا ـ مخرج من الملَّة؛ لأنَّ صاحبَه من رسل الشَّيطان وأوليائه، وهو منازعٌ للرَّبِّ ـ عزَّ وجلَّ ـ في بعض خصائصه، مُدَّعٍ للغيب مكذِّبٌ للقرآن.

2 ـ علم التَّسيير: وهو معرفةُ دلالات النُّجوم على الجهات والأوقات، وهي سننٌ كونيةٌ مقدَّرة بحسبان، طريقُها الحِسُّ والمشاهدة، قال اللهُ جلَّ وعلَا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[النحل: 15]، فلمَّا ذكر الله ـ جلَّ وعلَا ـ العلاماتِ الأرضيةَ ذَكَرَ بعدَها العلاماتِ السَّماويَّةَ، فقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16](12).

قال ابنُ رجب ـ رحمه الله ـ في «فضل علم السَّلف»(13): «وأمَّا علم التَّسيير فإذا تعلَّم منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطُّرق كان جائزًا عند الجمهور...».

وأمَّا عدم تفريق المرء بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشَّيطان، فلأنَّ من النَّاس من يغترُّ بهؤلاء فيحسبهم من أهل الخير والصَّلاح، لاستعمالهم القرآن تارةً، ولاستدلالهم بالسُّنَّة النَّبويَّة تارةً أخرى، وهذا صنيعٌ من الكهنةِ قديمٌ، وعملٌ غيرُ صالحٍ ذَمِيمٌ، فهؤلاءِ الدَّجاجلة «يعتقدون اعتقاد الكلدان، ويلبسون لباس أهل القرآن»(14)، كلُّ ذلك من باب الخداع والتَّدليس، والتَّغرير والتَّلبيس، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية: «ولا يُنْفَقُ البَاطلُ في الوجودِ إلَّا بِشوبٍ مِن الحقِّ»(15)، ولو لم يفعلوا ذلك لمَاَ راجتْ تجارتُهم الباطلة، وإفكُهم القديم والحديث، وإنَّما قصْدُ هؤلاءِ ومرادُهم هو إضلالُ الخلق وإفسادُ دينِهم، وخرابُ دنياهم، وخسران آخرتِهم، فقصدُهم تابعٌ لقصدِ الشَّياطين وهو: «الفساد والكفر والمعاصي والبغي والعتوُّ والتَّمرُّد وغير ذلك من القبائح»(16).

ولا يلتبس هذان الصِّنفان إلَّا عمَّن أُغلف قلبُه، وعمي فؤاده، وزمنت فطنتُه، وسقم فهمُه، وتكدَّر ذهنُه، وتبلَّد حسُّه، ممَّن ظنَّ كلَّ بارقٍ ذَهَبًا إبريزًا، وحسِبَ كلَّ ناعقٍ في قناةِ شعوذةٍ راقيًا ماهرًا عزيزًا!

والشَّيطانُ هو الَّذي يُلبِّسُ على النَّاس، فَيُشبِّه هؤلاء الكهنة بالرُّسل الصَّادقين، أو ـ على أقلِّ الأحوال ـ بالأولياء الصَّالحين، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فالكهنةُ رُسلُ الشَّيطانِ حقيقةً، أَرسلَهم إلى حزبه مِن المشركين وشبَّههم بالرُّسُل الصَّادقين، حتَّى استجابَ لهم حزبُه، ... »(17).

وأمَّا اتِّباع المرء ما تهواه نفسُه وتشتهيه رعايةً لمصلحةٍ دنيويَّة: فَبيانُه أنَّ من النَّاس مَن يُطغِيه إقبالُ الخير فيخشى أن يَزُول، ويُزعِجُه إِدبارُ الدُّنيا فيخافُ أن تَحُول، وهذا ممَّا فُطروا عليه، فالمرءُ قليلُ الصَّبرِ على ما يُؤلِمه جسدًا وروحًا، حتَّى إِنَّك ترى الواحدَ من هؤلاء إذا أظَلَّتْهُ سَحائبُ القُنوطِ والإيَّاس، أو اعْتَصرتُه كآبةُ التَّعاسةِ والإبلاس، أصابَه الوسواس، خاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالصِّحَّةِ والمال، مِن جهةِ السَّقَم والإفلاس، فتراه طريحًا بين يدي كاهنٍ مُبطلٍ خَلَّاب، وساحرٍ مُمَخْرق كذَّاب، إليه يُسرِعُ ويَهرَع، وإلى قوله يَرجِع ويَفزَع، رغبةً منه في الشِّفاء أوالغَناء، أو جَلْبِ هَنَاء ودفْعِ بَلاَء، ليعيشَ بزعمه مِن السُّعَداء، فيلجأ مِن مُنطَلَقِ ضعفِ عقيدتِه، وقلَّةِ تحمُّلِه، وسُوءِ ظنِّه بربِّه، ومرضِه النَّفسي؛ يلجأ إلى الكشفِ عن المخبوءِ خَوفًا مِن الموبوء، وإلى البحثِ عن المستورِ حَذَرًا من المسطُور، غَيْرَ آبهٍ بدين، ولا مُلتفتٍ لشريعةِ ربِّ العالمين.

ولَوْ فَقِهَ هؤلاء وذهِنوا، لَعَلِموا أنَّ ما يُصلح أحوالَهم من أمورِ الغيب مِمَّا هُم بحاجة إليه، قد كُشِفَ لهم في كتابِ ربِّهم وعلى لسانِ نبيِّهم ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فَمَن تكلَّفَ معرفةَ ما وراءَ ذلك «فقد ظلم نفسه، وبخس من التَّوفيق حظّه، ولم يحصل إلَّا على الجهل المركَّب، والخيال الفاسد في أكثر أمره»(18).

فكيفَ هدأت جفونُ قومٍ يأتون الكهَّان، ويَزورون العرَّافين، ويتعاطَوْن السِّحر، ويُطالِعون الأبراج، ويُشاهدون قنوات السِّحر والشَّعوذة، ويتَّصِلون بالقائمين على هذه البرامجِ الكفريَّة ويسألونهم، وأحسنُهم حالًا من يزعم أنَّه يقرأُ ويُشاهدُ مِن بابِ الفُضول، وصنيعُه هذا محرَّمٌ عند العلماءِ، لقولِ النَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»(19)، وهذا حكمُ مَن أتى العرَّافَ والكاهنَ وسألَه من غير إنكار عليه، ولا تصديق له، سواء كان السُّؤالُ مباشرةً أو بالهاتف، أو بالأنترنيت، أو غيرِها مِن وسائلِ الاتِّصال، لا يَشُكُّ في شمول الحكم لذلك مَن ذاقَ طعمَ التَّوحيد، وشمَّ رائحةَ الفقه.

فكيفَ بالمرءِ إذا كان بعد سؤال الكاهن والاتِّصالِ به مِن المصدِّقين!؟ فقد جاءَ الوعيدُ الشَّديدُ في حقِّ مَن يفعل ذلك، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»(20).

قال الشَّيخُ صالحُ الفوزان ـ حفظه الله ـ: «وفي الحديث دليلٌ على وجوبِ تكذيبِ الكُهَّان ونحوِهم، وأنْ لا يَقَعَ في نفس الإنسان أدنى شكٍّ في كذبهم، فمَن صدَّقهم، أو شكَّ في كذبهم، أو توقَّف، فقد كفر بما أنزل على محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ لأنَّه يجبُ الجزمُ بكذبهم»(21).

وعن عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ»(22).

والكفر المذكور في الحديث محمول عند أهل العلم على واحد من ثلاث:

1 ـ الكفر الأكبر المخرج من ملَّة الإسلام، وهذا هو الصَّحيح من كلام أهل العلم.

2 ـ الكفر الأصغر، وإلى ذلك مالَ بعضُ أهل العلم.

3 ـ السُّكوت عنه؛ فلا يقال كفر أكبر ولا كفر أصغر، وإنَّما يطلق كما جاء(23).

قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فإنَّ النَّاس قسمان: أتباع الكهنة، وأتباع رسل الله، فلا يجتمع في العبد أن يكون من هؤلاء وهؤلاء، بل يبعد عن رسول الله ـ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم ـ بقدر قربه من الكاهن، ويُكَذِّبُ الرَّسولَ بقدر تصديقِه للكاهن» اهـ(24).

ولإزالة شبهة ينبغي التَّنبيه على أنَّ تحديثَ الكاهنِ بشيء يكون حقًّا أو حصول غرض السَّائل على يديه ليس دليلًا على جواز ما يعمله ولا على صدقه في نفسه، وهذه شبهةٌ قديمةٌ أَجابَ عنها النَّبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ففي «الصَّحيحين»(25) من حديث أمِّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سَأَل أُنَاسٌ النَّبِيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا(26)فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ».

وعند البخاري(27) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يَقُولُ:«إِنَّ المَلاَئِكَةَ تَنْزِلُ فِى الْعَنَانِ ـ وَهْوَ السَّحَابُ ـ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِىَ فِى السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ».

فكيف قرَّت عيونُ الَّذين يقرؤون هذه الأحاديث النَّبويَّة، وهم لا يزالون يسوِّدون الصُّحفَ والمجلَّاتِ بـ: (برجك اليوم، أنت والنُّجوم، الأبراج، ... إلخ) عناوين ومضامين كلُّها زُور وباطِل، والواحدُ من أصحابها على خَصائصِ الرَّبِّ ـ عزَّ وجلَّ ـ مُتطاوِل!

ينبغي لمن سمع بالحقِّ وبَانَ له، أَنْ يرعويَ عن الباطلِ بجميعِ صوره وأشكالِه، فـ ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]، وعليه أن يرجع إلى رُشدِه، ويثوبَ إلى هداه، ويستقيمَ على الطَّريقة، حتَّى يظفرَ بالأمن والهداية والنَّصر والتَّمكين.

إنَّه ممَّا يتنافى مع الكمالات أن تنقلبَ أمَّتُنا إلى أمَّةٍ حريصةٍ على كشفِ الغيوب بدلَ رَفْعِ العيوب، وعيبُ الشِّركِ لا يُساويه ولا يُضاهيه عَيبٌ، ولهذا وجبَ على الدُّعاةِ إلى الله الاعتناءُ بالتَّوحيد، بِبيانِه والذبِّ عن جَنَابِه، نُصحًا للأمَّة، فما أحسنَ أثر الدُّعاةِ على النَّاس في توجيههم، وما أقبحَ أثر النَّاس على الدُّعاةِ في توجُّهاتِهم، والأمَّةُ منصورةٌ مرحومةٌ مَا نَصرت دينَ الله بالعملِ به والاهتداءِ بهدي النَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وسنَّته.

قال الشَّيخُ مباركُ الميلي ـ رحمه الله ـ:

«ولو عنيت أمَّتُنا بالعلمِ عنايتَها بالسِّحرِ؛ لم تنحرفْ في حياتِها عن سُلَّمِ الرُّقيِّ؛ ولكنَّها حَادَت عن سُنَّةِ التَّقدُّم، وأَحاطتْ بها خطاياها، فَحاقَ بها سوءُ عملِها ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾[فصلت: 46]» اهـ(28).


(1) أي: خدمتها.

(2) السَّانح: هو ما تيامن من الطَّير عند الزَّجر، والبارح ما تياسر، والجابه ـ ويقال له أيضًا: «النّاطح» ـ وهو ما استقبل المرءَ وجاء من قُدَّامه، والقعيد ما جاء من خلفِه، انظر: «فقه اللُّغة للثَّعالبي» (ص43).

(3) حديث حسن: رواه أبو يعلى في «المسند» رقم (4135) وابن عديٍّ في «الكامل» (4/1350)، انظر: «صحيح الجامع» (215) و «الصَّحيحة» (1127).

(4) رواه مسلم (934).

(5) «معارج القبول» (2/716).

(6) «مجموع الفتاوى» (35/192).

(7) «التَّمهيد لشرح كتاب التوحيد» (ص310).

(8) حديث صحيح: رواه أبو داود (3905)، وابن ماجة (3726)، انظر: «صحيح الجامع» (6074).

(9) «فيض القدير» (6/104).

(10) «الاختيارات الفقهية» (ص224).

(11) «القول المفيد» (2/ 127ـ بتصرُّف وزيادة).

(12) المرجع السَّابق.

(13) (ص22) ـ ط/دار الشهاب.

(14) «رسالة الشِّرك ومظاهره» (ص238) ـ ط/دار الرَّاية.

(15) «مجموع الفتاوى» (35/190).

(16) «معارج القبول» (2/713) ـ ط/دار ابن الجوزي.

(17) «إغاثة اللَّهفان» (1/253) / (ط) 1975 ـ دار المعرفة.

(18) «مفتاح دار السَّعادة» (1/282).

(19) رواه مسلم في «صحيحه» (2230).

(20) حديث صحيح: رواه أحمد في «المسند» (9532)، انظر: «صحيح الجامع» (5939).

(21) «إعانة المستفيد شرح كتاب التَّوحيد» (1/508).

(22) حديث صحيح: رواه البزَّار (3578) بإسند جيِّد، كما قال المنذري، والطبرانيُّ في «الكبير» (18/162/355)، انظر: «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» (3/97).

(23) «التَّمهيد» لصالح آل الشيخ (ص321 ـ 322).

(24) «إغاثة اللَّهفان» (1/253).

(25) رواه البخاريُّ (5762) ومسلم (2228).

(26) أي: يردِّدُها.

(27) في «صحيحه» (3210).

(28) «رسالة الشرك ومظاهره» (ص 239) ـ ط.دار الراية.