قضايا منهجية

سطوة المدعوين

إنَّ مِن أخطر ما يُخالجُ نفسَ الدَّاعية هو الرَّغبة في نَيْل رضا مَن يدعُوهم؛ فينصاع لإملاءاتهم ويرضخُ لأهوائهم، بدعوى الحرصِ على هدايتهم، وهُو مزلقٌ خطيرٌ وداءٌ خفيٌّ يقَعُ فيه مَن أهمَل مُراقبَةَ باطنه وغفَل عن تفتيش قلبه، والموفَّقُ مَن أخلَصَ النِّية، وتجرَّدَ لإرضاء ربِّ البريَّة؛ وسَلم من هذه البليَّة.

وقَد جاء التَّحذير منَ الخُضوع لسَطوة المدعُوِّين في خطاب موجَّهٍ إلى أكرَم الخَلق ﷺ؛ قَال تعالى:  ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ[المائدة:49] ، فحذَّره اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ من مُجاراتهم واتِّباع أهوائهم كي لا يُصرَفَ عن شيءٍ منَ الوحي، وهُو مطلَبُ الجماهير من أهلِ الشَّهوات والشُّبهاتِ الَّذين يتضايقُون من كثير من الأحكام الشَّرعيَّة، ويسُرُّهم أن يُجيبَهم الدَّاعي، فيُؤوِّلَ النُّصوصَ ويُحرِّفَ المعاني بما يوافقُ رغباتِهم؛ وقد نبَّه اللهُ نبيَّه ﷺ إلى عدم الاغترَار بهم، فقَال﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلا[الإسراء:73] فهُم يبذلون الجهُود الكبيرة لاستمالته، ومُستَعدُّون لاتِّخاذه حبيبًا صفيًّا عزيزًا عليْهم، لكن شريطةَ أن يتخلَّى عن الوحي المنزَّل الَّذي لا يُوافقُ أهواءَهُم، ويختَلق غيرَهُ؛ وفي الآية الَّتي تليها بيانُ صعوبة التَّحرُّر من نفوذ المدعُوِّين، قَال الله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا[الإسراء:74]؛ فسطوتُهُم كادت أن تُؤثِّر في النَّبيِّ المؤيَّد المعصوم ﷺ لولا تثبيتُ الله؛ فكيفَ بمَن هو دُونه من أمَّته؛ قال الله بعدَها: ﴿إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا[الإسراء:75] وهذا وعيدٌ شديدٌ.

لهذا وجبَ التَّحذيرُ من فتنة الحِرص على إرضاء الأتباع والمدعُوِّين، والتَّأكيد على أنَّها فتنةٌ تفتكُ بالدَّعوة من أساسها، ولا تُبقي للدَّاعي أثرًا لارتفاع الحماية  عنه وعصمة الله له.

وفي تَكرار النَّهي ـ في القُرآن ـ عن اتِّباع أهواء المدعُوِّين إشارةٌ إلى عظم فتنَتِهم، وأنَّ مُحاولاتهم لاستمالةِ الدُّعاةِ لا تتوقَّف ولا تفتُر مِن عَصْر إلى آخر مع اختلافٍ في أساليب الإغراء وحيَل الإغواء؛ ذلك لأنَّ الصِّراعَ بين الوحي والهوى قائمٌ ما بقيَ للوحي دُعاةٌ وحمَلةٌ؛ والسَّعيد من تشبَّث بالوحي وركنَ إلى الله، ولم يركن إلى سواه؛ ولهذا سَعد الإمامُ أحمد  رحمه الله بموقفه يوم فتنة القَول بخلق القُرآن حيث وقفَ صامدًا في وجه الجميع، من أصحاب السَّطوة الشَّديدة والقوَّة النَّافذة، الَّذين دَعَوْهُ إلى التَّخلِّي عن الحقِّ وأن يقولَ بقولهم، فأبَى ورفَض ولم يُجبهم إلى دعوتهم الباطلة، فعصَمَه اللهُ وأيَّده، وكسَر به شوكةَ المبتَدِعين.

ومنه يُفهَمُ أنَّ سرَّ الثبات والعصمَة من كلِّ سَطوةٍ هُو في التَّمسُّكِ بالوحي كاملا غيرَ منقُوص والاستسلام التَّامِّ لمعانيه  وأحكامه المبيَّنة في السُّنَّة؛ ولله الحمد والمنَّة.

 

  • منقول من مجلة الإصلاح ـ العدد 56

التعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *